الجمعة ١٣ شباط (فبراير) ٢٠٢٦
قصة كوردية قصيرة
بقلم مكرم رشيد الطالباني

أنا وتمثالُ عَولَه‌ سيس

بقلم: د. صمد أحمد ترجمة: مكرم رشيد الطالباني

قصة كوردية قصيرة
أنا وتمثالُ عَولَه‌ سيس
د. صمد أحمد ترجمة: مكرم رشيد الطالباني

على الرغم من أننا كنا في منتصف الخريف، إلا أن الجو ظل قائضاً، ففي الأيام الماضية، كان الغبار يغطي المدينة بأكملها عوضاً عن المطر، حيث خلقَ جواً خانقاً وغير مريحٍ. كنتُ في عجلة من أمري للوصول إلى المسجد حيث أقيم فيه عزاء والد صديقي الذي توفي هذا الصباح. إن إقامة مراسيم العزاء هذه الأيام ليست كما كانت سابقاً، على الرغم من أنهم يقولون إنها مراسيم تقامُ يوماً واحداً فقط، لكن الحقيقة إنها ساعتان فقط.
عبرتُ الطريق ومررتُ بتمثالي عَولَه‌سيس والشاعر بيكَس. اللذان وُضعا في حديقة فناء سراي السليمانية منذ عدة أعوام، ووُضِعَ خلفهما تمثال كبير لسليمان باشا بابان، مؤسس مدينة السليمانية، ممتطياً حصاناً يَعدو. على الرغم من أن هذه لم تكن المرة الأولى التي أرى فيها هذه التماثيل، إلا أنني لا أعرف لماذا أو كيفَ توقفتُ ونظرتُ إلى الوراء. لفت انتباهي تمثال عَولَه‌سيس.وكأنني لا أملك ما أفعله، استدرتُ ووقفتُ أمام التمثال مباشرةً.
قرأتُ الكتابة على اللوحة السوداء عند قاعدة التمثال: الشهيد عبدول محيي الدين ملاّ إبراهيم، المعروف باسم عَولَه‌سيس البطل. وقد كُتب تحته عام الميلاد والاستشهاد: 1901 -1930، جهة التنفيذ (عائلة الشهيد عَولَه‌سيس)، النحات شينار نزار (فكرة المشروع). سالار خوارحم وهاوكار عثمان البنا) 2017.
في مثل هذه المواقف، لا أدري إن كان انتباه المرء لما حوله شديداً ومركزاً، أم متناثراً وغير مبصرٍ. قبل هذه المرة، لقد مرّرتُ عشرات المرات أمام هذه التماثيل.فلم تستوقفني ولو لمرّةٍ واحدةٍ، بل لم تثر لديّ أي سؤالٍ.فقد مرّرتُ أمامها كأي حجرٍ منحوتٍ جامدٍ. ولكن هذه المرة سحرني تمثال عَولَه‌سيس، وأجبرني على التوقف والتفكير مليَاً.
أقتربتُ أكثر من خطوة من التمثال. لفت انتباهي أكثر عام ميلاده وإستشهاده.. لم أكن أعلم حتى الآن، أن هذا الرجل المقدام لم يعش سوى 29 عاماً. وأستشهد وهو لا یزال شاباً. قلتُ لنفسي: لو كان قد عاش أطول من هذا، لربما كان قد أصبح أكثر شهرةً ومجداً مما هو عليه الآن. لكنني سرعان ما ندمتُ على ذلك وقلتُ في نفسي: ربما لم يكن الأمرُ كذلك! هناك آخرون عاشوا ثلاثة أضعاف عَولَه‌سيس، ولم يتركوا وراءهم أية خدمةٍ، أو إسمٍ، أو شهرةٍ، أو أي أثرٍ.إذن، فإن غنى العمر وطوله ليس معياراً للشهرة، أو الإحسان، أو التضحية.. ولتأكيد رأيي الأخير، قلت: إن السيد المسيح عاش 28 عاماً، والشاعر رامبو 37 عاماً، وجبران خليل جبران 48 عاماً، لكن أسماءهم وشهرتهم، وتأثيرهم لا يزال كبيراً .وستبقى أسماؤهم خالدةً ما دام العالم باقياً.
درتُ حول التمثال عدة مرات.لفت انتباهي ملابسه الكوردية التي يرتديها. حيث لن يرتديها الآن سوى الرجال من كبار السن في منطقة گرميان، عدا الحفلات والمناسبات الخاصة حیث یرتیدها مذيعو التلفزيون، أو بعض الشباب. لم تكن هذه‌ التعابير والتخیلات حول تلك الملابس شكوى، أو لوماً بحد ذاته. فقد طمأنتُ نفسي قائلاً: إن إيمان ومباديء الإنسان تتغير من وقت لآخر ولن تعد ثابتاً راسخاً، فكيف لن يطال التغير وعدم الثبات إرتداء الملابس أيضاً؟!
اقتربت من التمثال، كما أسلفتُ من قبل: قبل أيام مضتْ هبتْ عاصفة رملية، فقد تراكمت كميات من الغبار على التمثال. كنتُ أتمنى لو كان لدي خرطوم ماء كي أغسل التمثال، وأنظفه من الغبار.
كانت قاعدة التمثال عالية جداً، لم تكن يداي تصلان إلى رأسه أو كتفيه أو رقبته، رفعتُ يداي بالكاد وصلتا إلى حذائه، بدأتُ بقنينة الماء التي كنتُ أحملها وكنتً قد شربتُ نصفها، بغسل حذاء القدم اليسرى للتمثال، الذي كان متقدماً بعض الشيء عن القدم اليمنى، ونظفته تماماً، ثم أخرجتُ منديلي من جيبي وبدأت في مسحه.إني وإن كنتُ في حياتي لم أركع لأحد ولم أخدم أحداً، لكنني الآن، لن أشعر بأي خجل أو عار، أن أنظفَ حذاء َعولَه‌سيس بكل فخرٍ.
عند تنظيف الحذاء، لم أعرف كيف ولماذا تذكرتُ حذاء (أبو لهب). أبو لهب ذلك الجلاد الذي كان يعذبني في سجن الأمن العامة بكركوك عام 1984.كان يعذبني، كان ذات كرشٍ كبيرٍ قصير القامة، ذو شفةٍ غليظة وأنف مفلطح. كانوا قد أوقفوني على ركبتي شبه حيٍ، رغم أنهم كانوا ربطوا يداي بإحكام خلف ظهري. فيما كان هناك جلادان آخران يمسكاني بذراعي الأيمن والأيسر.إن أبو لهب، الذي نصبَ نفسهُ عزرائيلاً، كان يزأر ويلعنني ويلعن الأرض والسماء، لو لم أعترف بأنني من كتبتُ (ليسقط نظام البعث الفاشي) على جدار حيّنا قبل أسبوع. فإنه سيقتلني اليوم لا محالة. لكنني عاندتُ، ولم أنكر القيام بحقيقة فعل كهذا فحسب، بل أعتبرتُ نفسيَ بريئاً، قائلاً: إنكم تظلمونني!. عندما سمع أبو لهب هذا، أندفع بكل ما أوتي من قوةٍ وركلني في وجهي، فسقطتُ على ظهري، وأنكسرتْ أربعة أسنان من فكي الأعلى والأسفل، وسالتِ الدماء من فمي. فيما أظلَمَتْ رؤيتي. إضافة إلى كل هذا فقد تلطخ حذاء أبو لهب بالدماء. وكان يصدر فحيحاً كأفعى جريحة، تتساقط الشتائم البذيئة من فيهه كالمطر، آمراً بوجوب تنظيف حذاءه من دمائي. إني في الوقت الذي كنتُ أتنفس بشق الأنفس، أردفتُ حين كان فمي ينزف دماً: فكّوا وثاق يداي كي أمسح حذاءك، فأصدر أبو لهب أمراً للجلادين: فكَّوا وثاق يديه، فوضعتُ كلتا يديّ على الأرض مستجمعاً قواي لأهب واقفاً، وجمعتُ بقايا الدماء واللعاب في فمي وأطلقتُها كالسهم على صدر وجبهة ووجه أبو لهب، فقد تحول أبو لهب والجلادان الآخران بعد هذه المغامرة، إلى ثلاثة كلاب مسعورة، لينقضوا عليّ، حيث شرع كلٌّ منهم يعضّ عضواً من أعضاء جسدي، حتى فقدتُ وعيّ، حيث لا أعرف ماذا فعلوا بيّ وما حدث لي بعد ذلك؟
لا زلتُ أمسح حذاء تمثال عَولَه‌سيس، هززتُ منديلِي مرات عديدة لأنظفه من الغبار الذي تراكم علیه. فجأةً شعرتُ بحركةٍ غريبة. فسقط المنديلُ من يدي. تملكني خوف شديدٌ، لأبتعد خطوتين من التمثال. ظاناً أن زلزالاً قد حدث، لكن حين نظرتُ إلى حركة المارة في الشارع، لم أرَ أي شيءٍ غير عادي في أي شخص، كما لو لم يحدث أي شيء، كان الجميع كانوا يأتون ذهابباً وإياباً كالمعتاد، عدتُ إلى نفسي، وفسرتُ ذلك بأن ذكرياتي المُرّة مع أبو لهب أدتْ إلى خلق هذا الوضع الإستثنائي لي.
التقطتُ المنديل تارةً أخرى، لاقترب من تمثال عَولَه‌سيس، أردتُ أن أقوم بتنظف ساقه اليمنى، حين قرّبتُ المنديل منه، بدأت ساقه اليمنى بالتحرّك وبدأ يسحبها للخلف ولم يدعني الوصول إليها، فأنتابني نوع من الخوف والقشعريرة والذهول حيث من الصعب أن أستطيع الآن التعبير عن ذلك. كيف يعقل أن يتحرك تمثال جامد كالإنسان!؟ هذه المرة ظننتُ أن عیناي تخدعانني، لكن لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى اتضح كل شيء.
إننی وإن كنتُ واقفاً بثبات كالصخر حتى ذلك الوقت في موضعي، وكنتً مصدوماً من الخوف والهلع، لكن وعي كان لا يزال يعمل، وكانت عيناي لا تزالان تريان كل شيء بوضوح كالسابق، غير أن لغلوغي كان متجمداً في فمي كالجليد.
إن ما جعلني أفقد صوابي، هو أن التمثال بدأ يتحرك أكثر فأكثر، فبعد ساقيه، بدأت كلتا يديه بالتحرك، وفتح (كميه) ليلوح بها عدة مرات، وبدأ بنفض الغبارالذي استقر على كتفيه ورقبته والذي لم أستطع الوصول إليه بسبب ارتفاع التمثال. ومن ثم بدأ بشدّ (كميه) على معصميه، ثم عدّل غطرته بعض الشيء نحو الخلف ليشدها بإحكام، التي كانت قد أنسدلتْ على جبينه بسبب حركاته. إني وإن كنتُ حتى ذلك الوقت بلا حراك كالميت. كنتُ أرتابُ أن أصدق حركة التمثال. نظرتُ بطرف عين يميناً ويساراً لأرى إن كان هناك من هو يعاني مثلي من هذه الهستيريا، أدركتُ أن لا إشكالَ لأي كان. لن يلتفتَ أحدٌ لي ولا للتمثال، لا يعاني أحدٌ من أية مشكلة، يأتون ويذهبون كالسابق، بعضهم مسرعين وبعضهم على مهلٍ، أردتُ أن أصرخَ لإبلاغ المحيطين بي بالأمر، لكنني لم أستطع أن أنطق بلساني، ولا أن أفتح فمي.فيما كانت حركة التمثال يزدادُ رويداً رويداً، وفجأة وجدتُ التمثال يقفزُ من قاعدته ليحط أرضاً، وهو يحرّكُ ذراعيه عدة مرات، ويدير خصره تارةً نحو اليمين وتارةً نحو اليسار، ثم يطقطق رقبته. أعلمني بحركاته هذه المدة التي بقي فيها واقفاً، وأعترى الخدر جسده، وهذا يدفعه أن يفعل ذلك. لا بد لي أن أسميه تمثالاً، غير إني إن قلتُ إن عَولَه‌سيس بُعِثَ حيّاً، فمن ذا الذي سيصدقني؟ ألا تخبرونني كيف أن بعض الناس ما زالوا لم يُنهوا الدورة الأولى من حياتهم بعدُ، لنستمعَ إلى قصة الدورة الثانية لحياتهم من أفواه الموتى!؟
أقتربَ التمثال مني بلطف شديد، واساني بصوت حنون، قائلاً: لا تخف، لم يحدث شيء إستثنائي. اقترب مني أكثر وعانقني، وقبلني عدة مرات، لكنني كنتُ مرتبكاً لدرجة لم أستطع معانقته وتقبيله، بل بقيتُ كالصوان في مكاني دون حراك. من الآن فصاعدًا، أصبحتُ أنا التمثال، وأصبح التمثال عَولَه‌سيس. وأصبح كأي حيٍّ آخر يتكلم. قال لي: لولا لطفك وكرمك حين نظفتَ حذائي، كان من الصعبِ أن أتحرّكَ من مكاني وانزل من على قاعدتي. ففي مكاني من تلك العلية أراقب حركة الناس من الصباح إلى المساء، متابعاً أحداث المدينة، على الرغم من أن الكثير منهم عندما أراهم لا أتعرف عليهم لأنهم لا يتحدثون باللغة الكوردية، لا أفهم ما يقولونه، وأشعرُ بأنهم غرباء عن المدينة.
كنتُ أتمنى أن تكون لديّ القدرة على الحركة والتخاطب كي أقول له: عزيزي أخ عَولَه‌سيس، نحن مدينون لك بشجاعتك ورجولتك، لكنني لم أستطع قول أي شيء. وإن ما أثار دهشتي وذهولي أكثر من أي شيء آخر، هو أنني لم أجد وضعاً إستثنائياً على وجوه المارة في الشارع. بما أنني كنت واعيًا، ومتأكداً أن ما أراه ويحدث ليس حلماً، ولا خيالاً، وليس هذياناً، ما أراه وأنظر إليه هو إن تمثال عَولَه‌سيس قد تم وضعه منذ عدة سنوات في حديقة فناء السراي على قاعدة عاليةٍ حيث يراه الجميع، لكنه الآن قد نزل من على قاعدته، وبدأ يتكلم كإنسان حيّ وواعٍ ويتحرك..! إن هذا الوضع الإستثنائي الذي وقعتُ فيه، أثبتت لي الحقيقة أكثر من أننا نحن البشر منشغلون في حياتنا بالمظاهر والأشياء التافهة، ولا نولي أهتمامًا للأمور المهمة بما فيه الكفاية، وإن لم يكن كذلك فلماذا لم ينتبه أحد؟ ولم يسأل: أين هو تمثال عَولَه‌سيس؟؟ أين ذهب؟ ماذا حدث؟ والأغرب من ذلك، أنني كنتُ غارقاً في أفكاري، كنتُ أتساءل، هل كان عَولَه‌سيس على علمٍ بما يدور في خُلدي؟ حين بادر بلغة رقيقة يطمئنُني، كما يُطمئن الكبار طفلاً مُحطّمَ الفؤاد؟ حين بادرني ليطمئنني قائلاً :أعلم بأنكَ تود أن أُخبركِ عن ذلك اليوم؟ حيث أستشهدتُ وآخرون في هذا المكان، استشهدنا ظلماً برصاص البريطانيين. أن أتحدث لك عن حراك الناس وحماستهم وإنتفاضة يوم السادس من ايلول ولكن بما أنك على عجلة من أمرك ولديك أمراً خاصاً، وتريد الوصول إلى المسجد للمشاركة في عزاء والد صديقك، لذا ليبقَ حكاية ذلك اليوم الأمرّ والمليء بجرائم البريطانيين لوقت آخر وفرصةٍ أخرى.
كان عَولَه‌سيس يماثلُ شجرة خريفية عارية ذابلة تحركها الريح وتهتز عند هبوب النسيم، وفي الوقت نفسه، كان يُماثلُ أنغام لحنٍ طريبٍ يمنح الروح السؤدد، رغم أن ظهره أصبحَ أحدباً بعض الشيء وبدت التجاعيدُ على وجهه وكانت شفتاه تتحركان لا إرادياً دون أن يستطيع السيطرة عليهما أثناء الحديث، لكن كان هناك شعاعٌ من الإرادة والمعنويات الرفيعة يصدر من عينيه، كانتا من جهة تلقيان اللوم علينا على ما نعاني منه من شقاق وتفرقة، ومن جهة أخرى، كانتا تمنحنا الطاقة والعزيمة.
فتحطمتُ كمَا يعصركَ أحدهم ويُكَسِّرَعِظامك، رغم إنني كنتُ واقفاً بخجل ولم أكن أستطع الكلام، أو بالأحرى لم يكن لدي ما أقوله لكنني كنت سعيداً لأن عَولَه‌سيس كان ينصحني ويرشدنا للطريق الصحيح، ولم أكنْ أعرف ماذا أقول؟ لكنه، كما لو كان يدركُ ما يراودني ويعرفُ ما أفكر فيه، فحدّقَ في عينيّ، ليجذبني إلى أعماقه بشكل مغناطيسي، فيما استسلمتُ لرغباته وطلباته كأسير، ليبادرني: لا يجوز لكَ أن تخفي الأمورعني وتخدَعُني،في وقت إنني أدري ما يحدثُ وما حدثَ في كوردستان. إنني في وقت كنتُ تائهاً وعاجزاً وحائراً إزاء حديثه وأقواله وانتقاداته، لم أكن أعرف أي شيء أفهم وأتطرق لأي موضوع وأسوق الأعذار لأي أفعالنا غيراللائقة؟ كان الخيال والمواضيع التي تدور في رأسي كفريسة يطاردها الصيادون من جهاتٍ عديدة، كنتُ مثلها لا أعرف من أي جهة أطلقُ ساقيّ للريح، ففي النهاية سيصيبني سهمٌ واستسلمُ، وترتخي ركبتاي وأسقطُ أرضاً، وأتمددُ، لألفظ أنفاسي الأخيرة بصعوبة.
إن السؤال الذي يصفرّ في رأسي كالريح ولم أكن أستطع التعبير عنه بلساني، فقد بادر عَولَه‌سيس ليوجه السؤال لنفسه بدلاً عني قائلاً: "أتريد أن تعرف حين كنتُ شاباً في سن التاسع والعشرين عاماً، كيف غدوتُ هذا الرجل العجوز؟"
ثمّ أردف بحَيرةٍ كيف لي أن أبقى شاباً؟ هل تظنون إننا نحن الشهداء لا معرفة لنا بكل تلك المعاناة التي عانيتموها بعد إستشهادنا؟ لا، ليس كذلك، إن الله أبقى أرواحنا أحياءً ومنحنا تلك الموهبة والقدرة على معرفة ما يحدثُ لأصدقئنا وجيراننا وأبناء قوميتنا. نحن مطّلعون على جريمة الأنفال ومآسي المقابر الجماعية والهجرة المليونية. لقد تحدث عَولَه‌سيس إليّ بحماس شديد، وكانت كل كلماته حزينة، فلم أستطع الصمودَ إزاءها، فقد تدفقت الدموعُ من كلتا عيني كينابيعٍ، رغم أنني حاولتُ جاهدًا إيقاف ذرفَ دموعي، لكنني لم أستطع كبحها.
واساني عَولَه‌سيس هذه المرة أكثر مما سبق قائلاً لي: أمنحوني هذا الحق أن أغضب منكم أحياناً وأشعر بالقلق، وأحياناً أشعر بالسعادة والفرح عندما أرى رجلاً مقداماً وحنوناً، ووفياً، وعفيفًاً ما زال باقياً، كالوردة حين يحل المساء تلملمُ أوراقها وتغمض عينيها وتخلد للنوم حتى تشرق الشمس، وتتفتح مرّة أخرى وتتألق عند حلول يوم جديد وتضحك، ونحن كذلك بالنسبة لكم.
كان عَولَه‌سيس يُحَدّقُ في عيني وسيمائي المرعوب، كما لو إنه رأى شيئاً ثميناً كاللؤلؤ والمرجان، وهو يتوق للبحث عنه وإكتشافه، ثم أردف قائلاً: "يمكنك الآن أن تسأل إنك كنت طوال هذه السنين في لحدٍ ضيقٍ ومظلم، كيف أستطعتَ أن تزور المدينة؟ وترى الأحداث بأم عينيك؟" ثم بدأ على مهلٍ يجيب على سؤاله الذي طرحه بدلاً عني: لو أتيحتْ لي الفرصة فإنني كنتُ سأزیل غطاء قبري، دون أن يعرف أحد بما يجري، وكنتُ أقوم بزيارة المدينة، لكن لسوء الحظ ففي معظم الأحيان عوضاً أن أكون مبتهجاً وسعيداً، أعودُ إلى لحدي الضيق والمظلم حزيناً وقلقاً مفطور الفؤاد، كالنمل التي تخرج كل يوم من مساكنها وتعود إليها.
وبعد هذه الحادثة، أردفتُ بلغة القلب التي يفهمني بها عَولَه‌سيس جيداً، لأفتديك لحديثك اللطيف هذا، نحن قلقون للغاية وحزينون على استشهادكم، ولن ننسى بطولاتكم أبداً. أنظروا فقد أقمنا لكم تماثيل ونعاهدكم...
وبدأت بتسطير جمل معسولة، لكن عَولَه‌سيس الذي كان قد أغلق قبضتيه بقوة حتى ذلك الوقت، شرعَ يفتحهما، واضعاً يده اليمنى على قلبي وهو يرسم ابتسامة حزينة ساخرة. وكأن لسان حاله يقول لا داعي لهذه الأكاذيب. واضعاً يده اليسرى على كتفي الأيمن وهو يقول: "أنا آسف. لقد عطلتُك هذا اليوم عن عملك، لقد حلّ المساء وأقترب حلول الظلام، ألا ترى أن أعداد المارة قد قلتْ وأنخفضت أصوات محركات السيارات، ولكن قبل أن تغادر أنتَ ونودع بعضنا بعضاً، أُسمِعُكَ وصيةً راجياً أن تقومَ بإيصالها لمخلصي الكورد وكوردستان، أقول لكم: لا تقلقوا علينا نحن الشهداء، فنحن نعيش في رحاب الجنة مكاننا واسع وجميل جدًا. وإن ما يُزعجني ويُؤلمني ویدفعنی أن یجنّ جنونی هو إنكم علی وشك أن تنسوا الماضي وتنخدعوا بأكاذيب وأحابیل البريطانيين، أرجو أن تنقل رسالتی هذه اإلى جميع المخلصين في أجزاء كوردستان الأربعة، أخبرهم: لمْ يَكِنَّ البريطانيون لنا الودَّ يوماً، إنهم على إستعداد للقضاء عليكم، كما قضوا علينا غدراً وبلا رحمة لنستشهد على أيديهم.
وبعد هذه الرسالة، قفز عَولَه‌سيس ليستقرّ على قاعدته، ويصبح تمثالاً كما كان، مثلما قفزَ من قبلُ ليقف على الأرض، فيما كنتُ قد بدأت بالتحرّك كمن نجا من صدمة كهربائية، وبدأتُ أتكلّم، لكن لم أقل شيئاً من شدة الخجل، وبدأتُ بقلبٍ مليءٍ حُزناً ورأسٍ صاخبٍ، وجسدٍ منهكٍ، أُودّعُ تمثالَ عَولَه‌سيس ملوّحاً بيدي، متجهاً للبيتِ ثملاً.

عن مجلة (رامان) الكوردية، عدد (240)، الصادرة في 5/2/2026، ص 15-20.

بقلم: د. صمد أحمد ترجمة: مكرم رشيد الطالباني

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى