الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم جواد عامر

إلى جماليات التفكيك والتشظي

فلسطين في الرواية العربية الجديدة من سردية القضية

إلى جماليات التفكيك والتشظي

مصائر كونشرتوالهولوكوست والنكبة لبرعي المدهون نموذجا

شكلت القضية الفلسطينية تيمة مهمة في الرواية العربية منذ منتصف القرن العشرين فعرفت تحولات بنيوية وجمالية مست تقنيات السرد وأشكاله وطبيعة الخطاب الذي انتقل من سمته التوثيقية الإيديولوجية القائمة على سردية القضية حيث غلب الجانب الإخباري والالتزام السياسي على الروائي العربي الذي جعل من الرواية وسيلة للمقاومة إلى سمة التشظي والتفكك التي عكست الواقع العربي المفكك والمتناقض ما جعل الرواية الجديدة تجربة إنسانية معقدة تتعدد فيها الأصوات وتتكسر فيها البنية السردية متجاوزة أحادية السرد وخطيته، كان فيها للسياق التاريخي الجديد الذي عرى الواقع العربي خاصة بعد هزيمة 1967 وما خلفته من جرح عربي عميق وللمثاقفة أكبر الأثر في توجيه الرواية العربية وعموم الإبداع إلى مسالك فنية وجمالية جديدة أعلنت قطيعتها مع الكلاسيكية التي صارت متآكلة وغير قادرة على التعبير عن هموم الذات وعن الواقع العربي الذي وسمه الارتباك والتشظي، فما هي ملامح هذا التشظي والتفكك في الرواية الجديدة؟ وهل استطاعت هذه الملامح أن تعكس حقيقة الواقع العربي أم انها كانت مجرد ترف سردي استجاب لخصوصيات تاريخية فرضتنها ما بعد الحداثة؟ وهل كان الانتقال من سردية القضية إلى مختلف التشظيات كفيلا بمنح الرواية العربية الجديدة واقعيتها أم أنها كانت طريقا عبر هذه الجماليات إلى التمرد على الواقع والانفصال عنه؟

إن القارئ العربي يعي أن الرواية العربية حينما تناولت فلسطين في متنها الحكائي تناولتها بوصفها قضية شعب اغتصبت أرضه فتفجرت من رحمها المأساة بكل ألوانها القاتمة وقضية أمة عربية مسلمة لها مقدسات دينية، فظلت الرواية حبيسة التوثيق التاريخي لا تتجاوز كونها أداة للمقاومة تنقل المعاناة والمأساة الإنسانية كما وثقت لذلك نماذج روائية مثل رجال في الشمس وعائد إلى حيفا لغسان كنفاني في إطار سردي خطي أحادي تحظى فيه القضية بالمركزية السردية التي تجعلها خطابا جماعيا موحدا ينتج سردية مضادة للكولونيالية وتعيد تشكيل الإنسان الفلسطيني كذات فاعلة تجعلها مواجهة للاحتلال ، وأمام التطور الفني والجمالي الذي شهدته الرواية، أخذ الروائي العربي ينفصل شيئا فشيئاعن التقريرية والخطية مقابل بروز الذاكرة الفردية واستدعاء أجناس مختلفة وتفكيك الخطية السردية كما في رواية المتشائل لإميل حبيبي حيث محورية البطل (سعيد أبي النحس) تتحطم لصالح التناقض والتأزم النفسي ، فشكل هذا التوجه الجديد منعطفا حاسما نحو التجريب الذي عمَّق التفكيك والتشظي حول فلسطين من كونها قضية إلى بنية جمالية معقدة تعكس تشظي الواقع وتفككه وتناقضاته وتنافراته وما يعج به من الفوضى والشتات، لذاعمد الروائي العربي إلى تقنيات سردية جديدة استرفدها من النظرية النقدية الغربية كالبوليفونية وما تتيحه من تعددية أصواتية في بنية السرد تتوسع مداخلها بين الشخصيات واللغة وتداخلات الأجناس والمنظورات وغيرها لاستيعاب أشكال الوعي الأخرى المختلفة عن وعي المؤلف، يقول باختين:"مؤلف الرواية متعددة الأصوات مطالب في أن لا يتنازل عن وعيه وإنما في أن يتوسع إلى أقصى حد أيضا في إعادة تركيب هذا الوعي وذلك من أجل أن يصبح قادرا على استيعاب أشكال وعي الآخرين المساوية له في الحقوق"(1) واستدعى الميتا سرد في نصه الروائي وفكك الأزمنة وجعلها متداخلة وغيب الشخصيات بأسمائها مكتفيا برموزها أو إحالاتها الضمائرية أواطيافها وظهرت الذات المنشطرة والمتأزمة والمتناقضة في أبنية السرد وتداخلت الدوائر الصغيرة وتعددت اللقطات وتناثرت في عالم روائي بدا شديد التفكك والتشظي معلنا عن ذات التفكك الذي يعيشه الإنسان في واقعه العربي الممزق، ما جعل الرواية نسخة تطابق عبر أنساقها السردية والفنية والجمالية للسائد في الواقع معبرة عن شتاته وعدم اكتماله وارتباكه وغياب الحقيقة المطلقة فيه، عاكسة بجلاء تحولات الإنسان العربي وواقعه في علاقته بالتاريخ والهوية الإنسانية، فاستطاعت روايات جديدة من قبيل باب الشمس لإلياس خوري أن تعكس هذا التشظي الذي أسس بنيته على تدخلات الدوائر السردية ما يجعل السرد فيها استرجاعا للذاكرة والهوية وباب الساحة للروائية سحر خليفة التي أضافت البعد الجندري لتجربتها الروائية حيث منحت المرأة صوتها كمقاومة لأشكال الإهانة والاحتقارلإثبات وجودها في المجتمع ورواية "مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة" للروائي ربعي المدهون ذات النسق البوليفوني الذي يجلي تعدد السرديات وتداخلها وتقاطعها عبر بناء سردي محكم أسسه صاحبه على موسيقى الكونشرتو القائمة على الحركات الأربعة.

مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة: سردية القضية

تعد رواية "مصائركونشرتو" للفلسطيني برعي المدهون الفائزة بجائزة البوكر2016 نموذجا فريدا للرواية الجديدة أو رواية الحساسية الجديدة أورواية اللارواية كما يسميها بعض النقادعملا نقديا وفكريا يتناول محرقة الهولوكست من منظور فلسفي حداثي يستدعي في بنيته السردية تقنيات التفكيك والتشظي، مثيرا موضوع المحرقة كتجربة إنسانية لا كحدث تاريخي يحتاج إلى التوثيق،لأن الهولوكست لايمكن أن يفهم بسردية خطية تستطيع أن تعكس المشهد الفلسطيني من النكبة إلى مؤتمر أوسلو،لذا سعى برعي المدهون إلى تجاوز الأنساق الكلاسيكية خالقا عالما روائيا جديدا مستجيبا لخصوصيات ما بعد الحداثة مستعيرا آليات التأليف الموسيقي (الكونشرتو) القائم على أربع حركات موسيقية، كل حركة تقوم على وجود بطلين ليجمع كل أبطاله في نهاية الرواية التي تمثلها الحركة الموسيقية الرابعة لتأدية المقطع النهائي، حيث تبدأ الحكايات الأربعة في التكامل فتتوالف فيها الشخصيات والأحداث وغيرها من المكونات الفنية لتشكل محط الالتقاء حول أسئلة الرواية ، حول النكبة والهلوكوست والعودة.

تبدأ الرواية بالحركة الأولى (إيفانا أردكيان) التي تجسد تيمة العودة لغزة وما شابها من اغتراب نفسي وحنين مثلته بشكل قوي شخصية وليد دهمان الصحفي الفلسطيني الذي يستشعررغم معرفته للمكان غربته ما يعكس الضياع النفسي رغم الاستذكار الذي تمارسه الشخصية وهي تعيد ذكريات الطفولة في المكان ما يجعل العودة لحظة اكتشاف للذات التي تغيرت بسبب الاغتراب خارج الوطن وأكثر إيلاما من البقاء في أرض المهجر، اغتراب جسدته علاقاته مع الآخرين مثل ليلى التي تمثل صديقة الطفولة وتجسد ثبات الهوية ،وتجسد إيفانا أردكيان ذات الأصل الأرمني نموذجا للاغتراب الثقافي والنفسي والحضاري بعدما هاجرت قبل النكبة وتزوجت الطبيب الضابط البريطاني"جون ليتل هاوس" الوسيم في حفل أقيما لهما بحضور بعض ضباط القاعدة وجنودها في قاعدة بريطانية قريبة من حيفا وأنجبت منه ابنة تدعى" جولي" ارتبطت بفلسطين بحكم عيشها في عكا القديمة زمن الانتداب البريطاني على فلسطين لذلك توصي بحرق جثتها وأخذ جزء منه ونثر رماده بعد وضعه في قارورة من ثلاثين سنتيمترا بعكا القديمة،" خذوا بعضي وكل روحي إلى عكا يعتذران لها حارة حارة خذوا ما تبقى مني وشيعوني حيث ولدت مثلا ستشيعني لندن حيث أموت يا أصدقائي وأحبتي يوما ما، ولا أظنه بعيدا، أريد أن أدفن هنا وأن أدفن هناك "(2)، إنها شخصية تجسد الاغتراب بمعناه الحقيقي والفعلي وتحمل رمزية الفقد للمكان حتى بعد الموت، لذا فعائلة دهمان سواء جنين الكاتبة التي ستكتب رواية " فلسطيني تيس" أو محمود دهمان المعروف ب "باقي هناك "والدها الذي فقد عائلته ليعيش في إسرائيل وعائلة إيفانا وجميعها ترتبط بنفس المصير، مصير الاغتراب والتمزق وفقدان الهوية والأرض.

أما في الحركة الثانية (فلسطيني تيس) فتبدأ بعودة دهمان بعد سنوات من المنفى إلى فلسطين المحتلة وفي مطار بن غورديون يخضع لحملة تفتيش دقيقة تعكس مشهد الاغتراب الذي لازال يلاحقه وتمزق الهوية بين عودة لوطنه وعودة لأرض مغتصبة صارت لإسرائيل، وتبدأ رحلة التنقل داخل فلسطين لاسترجاع لحظات الطفولة وذكريات العائلة غير أن دهمان يصطدم بتغيرات كبيرة لحقت المكان والأشخاص والأسماء في ظل وجود اسرائيلي مهيمن على كل التفاصيل، ما يشعر الشخصية بالارتباك والتمزق الهوياتي بين الانتماء للأصل الفلسطيني وبين هجنته بسبب المنفى الذي عمر فيه طويلا، وتتكشف العلاقات الإنسانية سواء مع أفراد العائلة أو حتى مع بعض الإسرائليين الذين سيلتقيهم دهمان، غير أن علاقته بالعائلة شابها الاهتزاز وغاب عنها الدفء الذي كان يتوقعه قبل العودة لكنه يستشعر الغربة داخلهم بسبب ما صنعه فارق الزمن بينهم من شروخ نفسية وفكرية ،فهم عاشوا زمن الاحتلال استطاعوا هم التكيف مع أجوائه وراكموا خبرات وتجارب حياتية غائبة عن مفكرته وتكوينه النفسي ما خلق نوعا من الصدام الفكري والثقافي بينهم ولد لحظات كثيرة من الصمت الذي أبان عن عدم التفاهم وولدت صراعا نفسيا داخليا لدهمان مشحونا بالعتاب وتأنيب الضمير، فعودته للمجدل عسقلان بعد هجرته مع العائلة إلى غزة وارتسام حدود جديدة بين إسرائيل وغزة منعته من رؤية عائلته فيضظر للزواج ثانية ويستقر بالمجدل فلسطينيا في "إسرائيل"، أما علاقته بالاسرائليين فتُظهر التعقيد الإنساني الذي يسهم في تشظي هويته وتمزقها ففي الوقت الذي يلتقي فيه أشخاصا إسرائيليين سواء مصادفة أو بحكم العمل فإنه يجد نفسه أمام شخصيات يدرك إنسانيتها الحقيقية وهي نفسها التي الشخصيات التي اغتصبت وطنه وظلمت شعبه، ما يجعله يعيش أزمة حادة ملأى بالتمزق والارتباك ،علاقة تستحضرفيها معاناة اليهود (الهولوكوست) في مقابل معاناة الفلسطينيين من غيرأن تعلم الرواية عن تطابق المأساتين.

إن أزمة دهمان الثقافية والنفسية تزداد ضراوة وتشظيا؛ ذات منفصمة تعيش اغترابها وسط العائلة وتحيا الصراع الداخلي في علاقتها بالإسرائيلي ما يجعل الحركة الموسيقية الثانية تمهيدا للتصاعد القادم في الحركة الثالثة (محارق صغيرة) التي تتسم بتعقيدها أكثر نظرا لما تقدمه من تشابكات بين السرديات اليهودية والفلسطينية دون أن تتوغل الرواية في تقديم صورة الفلسطيني كضحية للاحتلال الإسرائيلي كمصدر للشر والعداء، لذا نعد الحركة الثالثة ذروة الكونشرتو الذي يشكل القلب النابض للحركة السردية المفتوحة في الرواية، فيتراجع دور دهمان في هذه الحركة لصالح أصوات سردية جديدة فلسطينية ويهودية (شاؤل، أفيفا..)، فتكشف الحركة على محرقة الهولوكوست مظهرة اليهود كضحايا تاريخيين والفلسطينيين كضحايا للنكبة دون أن تشيد الرواية أي تصنيف أخلاقي مكتفية بالمنطقة الرمادية التي تجعل من الضحية مشاركا في الظلم كما هو حال يهود المحرقة ( الضحايا) لكن كثيرا منهم يمارسون ظلمهم على الفلسطينيين كما ظهر في حواروليد مع إدوارد الأمريكي بعد إقلاع الطائرة (3)، كما أن الفلسطينيين وهم ضحايا الاحتلال والممارسات الصهيونية العدوانية ليسوا برئيين تماما ؛إن الحركة الثالثة بما تمثله من مفصل سردي مهم في" مصائر"عددت سردياتها التي أعلنت عن تقاطعات التجارب التاريخية والفردية في سعي حثيث لإبراز معاناة اليهود ومعاناة الفلسطينيين واضعة كلتا المعاناتين في إطارحواري.

وتأتي الحركة الرابعة (احتمالان) نهاية للرواية مركزة على حركة العودة لفلسطين ( القدس وحيفا ويافا) من قبل العديد من الشخصيات بعد سنوات من الشتات لتجد الواقع مختلفا وشديد التعقيد، حيث تصطدم الذاكرة بالواقع ويعاد تركيب الهوية من جديد لتتحول الرواية من سرديات فردية تنبش الذاكرة وتبحث عن الهوية إلى رؤية متكاملة تبحث عن المصير الإنساني فاتحة الآفاق أمام القارئ لطرح أسئلته الكبرى حول قيم التسامح والتساكن والتفاهم الإنساني وعن العدالة والمساوة والحرية، فبعدما أطلعنا الروائي على التقاطع الموجود في مصائر اليهود ( المحرقة) ومأساة الشعب الفلسطيني تأتي الحركة الرابعة لتعلن عن المواجهة بعد العودة، حيث تواجه الشخصيات سواء الفلسطينية أواليهودية مصائرها، لتتحول الحركة الرابعة عبر استدعاء شخصيات مثل جولي ووليد دهمان (زوجها) وباسم وجنين (زوجته) إلى محطة لتجميع خيوط السرد التي تآلفت في الحركات السابقة للربط بين محرقة الهولوكوست ومأساة الفلسطينيين خاصة ما حدث في قرية دير ياسين عام 1948، لتكون الحركة الرابعة محطة لقاء رمزي ومادي يجمع بين التاريخ الفردي والجماعي حيث التقاء الذاكرة والألم والمصائر القديمة التي تظهر انعكاساتها في حياة الأفراد.

جماليات التفكيك والتشظي في مصائر الهولوكوست والنكبة

تمردت الرواية الجديدة على التقاليد السردية والفلسفات الجمالية السائدة في الكتابة الروائية، معلنة عن تلاشي العناصر الروائية من أحداث تضمحل وتتمزق عراها في غياب العلية والسببية واختزال للأزمنة وتداخلها وتشظيها وضمور وحدة المكان واختزاله واضمحلاله وذوبان الشخصية التي تؤدي إلى تلاشي الأحداث وغياب الفعل وردود الفعل، ما وسم النص الروائي الجديد بالتبعثروالتفكك وانزواء المنطق والسببية والغموض أحيانا،تعبيرا من الروائي عن تشظي الواقع العربي وتفككه وغموضه وتهميش الذات الانسانية بسبب ما تلاقيه من القمع والحرمان والظلم السياسي، لذا نحت الرواية هذا الطريق مشيدة عالما روائيا قائما على التفكك والتشظي بوعي جمالي يعكس تمزق الهوية الفلسطينية تجلى في مستويات متعددة من العالم الروائي ـ حسبي ـ حصرها في المكونات التالية:

ـ الشخصيات الحكائية في الرواية

تعلن الرواية منذ الحركة الموسيقية الأولى عن هجنة الشخصية الروائية التي تعيش تمزقاتها النفسية والوجودية بين أمكنة وأزمنة متعددة ومتناقضة، فوليد دهمان العائد من لندن إلى وطنه فلسطين وتحديدا إلى عكا القديمة يعود حاملا جواز سفربريطاني فيُعامل معاملة السائح في مطار بن غرديون ويخضع لحملة تفتيش دقيقة ما يجعله يعيش تمزقات نفسية عميقة بين هويات متشظية تمثلها الهوية/الأصل باعتباره صاحب الأرض والهوية الأجنبية التي تهبه الحماية القانونية ما يجعل هويته هجينة مرتبكة تبحث عن حقيقتها أهو فلسطيني صاحب الأرض؟ أم هو بريطاني لأنه يحمل جوازسفر بريطاني؟ ويزدادهذا التشظي حينما يصطدم بواقع جديد تظهر فيه هيمنة إسرائيلية على المكان والشخوص والأشياء التي يجدها متبدلة عما كان في الماضي ليعيش صراعا نفسيا مأزوما بسبب تحولات المكان التي صارت متاحف وبيوتا للمستوطنين وكأن المكان صار اللامكان، ويزداد الصراع بسبب الإحساس بالاغتراب في الوطن الأم باعتباره العائد الغريب في مقابل الآخر الذي أقام بلندن / المنفى، جاء لينفذ وصية "إيفانا" بنثررمادها في لندن وعكا فيجد نفسه ممزقا بين أداء الوصية تحقيقا لرغبة الأم في عودة رمزية بعد الموت للأرض وبين إدراك فعلي لموت هذه الرغبة وعدم جدواها، ما يعكس التشظي الذي كانت تعيشه إيفانا في لندن بين ذاكرة محملة بإرث النكبة وعيش في المنفى ، يعكس بجلاء تفتت الذات الفلسطينية وعدم قدرة المكان على استيعاب الوجود الفلسطيني بشكل مكتمل في أرض مغتصبة ضاقت بأصحابها، فتفكك إيفانا الجسد والمكان وتلتمس من ابنها أن ينفد الوصية تجسيدا لواقع التشظي مادام أنها امرأة تستشعر التشرد حتى بعد الموت فتختار نثر الرماد ليملأ كل حيز مكاني طردت منه، تشظ أدركته جولي كما أخبر به السارد :" كانت جولي تتنقل بين خياري إيفانا وقد أدركت بحسها أن والدتها خشيت أن تلعنها عكا في مماتها كما لعنتها في حياتها حين هربت منها ففتحت لروحها نافذة أخرى في القدس طلبا لمزيد من الرحمة "(4)، كما يظهر تشظي كل من الزوجين باسم وجنين اللذين يعيشان تفتتا هوياتيا يرسمه التمزق بين هوية مزدوجة تخلق تشظيا وانقساما وجوديا بين هوية فلسطينية يمثلها الوجدان وهوية إسرائيلية تمكنهما من التنقل والحياة فيمثلان نموذجا مصغرا لفئات عريضة من المجتمع الفلسطيني من أصحاب الهوية المفتتتة الجامعة بين الهوية الإسرائيلية التي تتجسد ورقيا وقانونيا والهوية الفلسطينية التي تعتمل في الوجدان، فهما مواطنان إسرائيليان يعيشان في يافا ( تل أبيب) ويشهدان احتفالات اليهود بعيد الاستقلال الذي يمثل ذكرى نكبتهم، ما يشعرهما بالاغتراب الوجودي والنفسي في بيئة يتكلم أصحابها لغتهم العبرية في حين أن لغتهما الأصلية هي العربية ما يجعلهما يعيشان تشظيا لسانيا لغويا يشعرهما بالانفصال الاجتماعي رغم انخراطهما المادي في العمل كما يعيشان تشظيا مكانيا حينما يستعيدان نوستالجيا المكان (يافا) قديما أوتل أبيب الجديدة وما كان فيها من البيوتات القديمة والمقابرالتي مسحت والمعالم التي طمست مما يجعل جنين وباسم يعيشان في مكانين متصادمين في وقت واحد ويجعل التشظي هنا جرحا غائرا تنسكب منه دماء الهوية جرحا لايقبل الالتئام بسبب وقوعه بين مطرقة الذاكرة كوسيلة للَأْمِ الجرح ورأب صدوع الذات المتشظية التي حاولت إيجاد منفذ عبر مشاركتها في قصة إيفانا ورمادها لجبر هذا التشظي وسندان المستعمرالذي يرى فيهما عدوا محتملا لا يؤمن جانبه.

إن الشخصيات في مصائر الهولوكوست مرايا متهشمة تعكس تشظيات الذوات المتحطمة لتعكس واقعا اجتماعيا يصعب فيه الجمع بين الانتماء والمواطنة دون إحساس بالألم والمعاناة والتمزق النفسي العميق، لذا فالشخصيات في الرواية ما هي إلا ذوات مفككة تعيد تركيب واقع الشتات الفلسطيني عبر أنماط تفكيرها وذكرياتها وسلوكها مع الآخرين سواء الفلسطينيين أوالإسرائيليين أوعبرلغتها وإفصاحاتها وحتى عبر طريقة الموت (رماد إيفانا) الذي يعكس بجلاء قمة التفكك والتشظي الذي تعيشه الشخصية الفلسطينية الممزقة بين هويتين وانتماءين متصادمين تاريخا وواقعا ليتحول الرماد إلى استعارة روائية جميلة ترسم صورة الجغرافيا الممزقة والزمن المفكك.

ـ تشظي الزمن في الرواية

تشظي الزمن تقنية سردية يلجأ إليها الروائي لتكسير خطية الزمن وتسلسله، تشظ يتداخل فيه الماضي والحاضر ويلجأ فيه للفلاش باك كثيرا لاسترجاع الذكريات وتفكيك الزمن للحظات ممزقة لا يربط بينها أي سبب منطقي ما يستدعي من القارئ لململة الشتات وإعادة تركيب البنية، ففي"مصائر الهولوكوست" يظهر هذا السيناريو قويا في كثير من حركات الرواية، فمنذ العودة تتحقق المفارقة الزمنية عبر استعادة ذكريات الماضي من قبل وليد دهمان ما يخلق صراعا بين الزمن الوجودي والزمن النفسي تعكسه تشظيات الهوية عبر الميتا سرد حينما نجد وليد دهمان يكتب رواية عن نفسه فيمتزج السيري بالروائي داخل المتن الحكائي ويتداخل المؤلف والبطل، لينبثق اللايقين عبر لعبة تفكيك السردية الأم /النكبة إلى سرديات صغرى تحكي مصائر الشخصيات في مساحات زمنية متشظية تعكس مراياها المتكسرة الفقد والتمزق الفلسطيني، فيلجأ الروائي للاسترجاع (الفلاش باك) لا بمعناه التقليدي وإنما بمعناه الانكساري المتشظي في محاولة لدمج الماضي في الحاضر والعيش بذكريات التاريخ والمكان والأشياء كما كانت ، يعيشها في زمن الحاضر ما يجعل الزمن متشظيا لا هو يمثل الماضي ولا هو مندمج في الحاضر فتتشكل التروما التي تؤكد التمزق النفسي للشخصية الحكائية كما نجد عند غيفانا في لحظة الحفل المسترجعة في أولى الحركات لأجل إعلان وصيتها قالت وهي تعتذر للحضور:" آسفة يا أصدقائي، لقد اوجعتكم معي لعله ماضيّ الذي حضر ليودعني" (5) و تقيم الرواية تشظياتها الزمنية على مفارقة أخرى حينما تجمع بين حدثين؛ حدث الهولوكوست ومتحف ياد فاشيم وحدث النكبة 1948 باعتباره حدثا يتحرك في الزمن وهو جمع يخلق صراعا تاريخيا ونفسيا بين ضحيتين؛ ضحية تاريخية ( المحرقة) وضحية جديدة لا تزال تعيش النكبات المتوالية عبر الزمن،لذلك كانت أسئلة وليد على باب المتحف "كيف يمكن إبقاء ذكرة من أبادتهم النازية الألمانية حية بقصف غزة مثلا؟ ما الفرق بين الحرق في أفران الغاز أو الحرق بصواريخ الأباتشي؟"(6)، ليخرج بعدها ويخلق فكرة متحف للفلسطينيين تحت مسمى (زخروت هفلسطنيم)، ويتشظى الزمن في الرواية عبر تقنية التزامن التي لجأ إليها الروائي للتعبيرعن تداخل الأزمنة التي يعيشها الإنسان الفلسطيني الممزق بين جغرافيات متعددة (لندن، يافا ـ حيفا ـ عكا القديمة، ليننغراد..).

إن المؤلف وهو يبني عالمه الروائي على أساس موسيقي يمتح من الكونشرتو القائم على تنويع اللحن الأساسي يجعل كل حركة موسيقية تمثيلا فنيا للزمن ليجعل السرد يتقطع إلى لحظات منفصلة تحكي المصائر لكنها تتلاقى زمنيا في الحركة الرابعة "الكودا" في شكل دويتو جماعي يشكل لحظة الالتقاء الكبرى في العالم الروائي، ما يقصي مركزية الزمن في الحركات الثلاثة الأولى ليتكثف الزمن في الحركة الرابعة حيث التقاء زمن الوصية وزمن العودة واصطدام زمني الطمس والإنهاء الذي يمثله الاحتلال في محاولاته مسح التاريخ والهوية العربية في مقابل زمن الإثبات عبر الاستذكار الذي تمارسه شخصيات مثل وليد وجولي، لذا فإن تفكيك الزمن كان وسيلة جمالية أسهمت في إبداء الزمن الحقيقي وإن تم برمزية الرماد في بنية دائرية ابتدأها الروائي بالشتات منذ الحركة الأولى وأنهاها بعودة رمزية استعارية بديعة مثلتها صورة الرماد لتمنح السرد تشظياته الجمالية.

ـ تشظي السرد في الرواية

استطاعت الرواية الجديدة أن تعكس بجلاء الاضطراب والاهتزازات التي مست الايديولوجبات والثوابت والأبنية في المجتمع العربي التي وسمها التفكك والتشظي فلم تعد الرواية مجرد أداة لتفسير العالم وتغييره وفق رؤية إيديولوجية تحكم مسار السرد وإنما صارت وسيلة لتصوير العالم وشاهدا على أبنيته المنهارة والمتشظية، فعدد الروائي في بنية السرد بين الحوارات الداخلية واللقطات والومضات والاستذكارات والهواجس النفسية وأحلام اليقظة والرموزوغيرها من العناصر الجمالية دون أن يربط بينها رباط منطقي يخضعها للسببية ما يجعل البنية السردية مفككة ومشتتة تتغذى من رموزها وعدم ارتباطها ولا يقنيتها، لذا فمصائركونشرتواعتمدت بنية السردية الكبرى التي تتفرع لمجموعة من السرديات الصغرى عن طريق التضمين الذي تخلَّقت منه حكايات وتولدت مسرودات أعلن عنها برعي المدهون في إحدى حواراته فقال: "في مصائر حكايات تحيل إلى بعضها جدارية متجاورة بتعبير الروائي والناقد طارق إمام كل منها يحيل إلى الآخر،هكذا انطوت حكاية جنين على حكايات فهي تروي سيرة محمود دهمان وعائلته التي هي أحد أفرادها في الواقع ثم سيرته المتخيلة التي تكتبها بالتداخل مع سيرته التي هي صورة مصغرة تحت العنوان المجازي" فلسطيني تيس" يقول السارد :"جلست جنين الى مكتبها في غرفة البيت الوحيدة المطلة على ميناء يافا القديم تتابع مراجعة فصول روايتها الجديدة "، ثم هناك روايتها عن حياتها مع باسم التي هي صورة مصغرة لحياة عائلة من فلسطيني 48 تعيش على أرض فلسطينية في دولة إسرائيلية .سردية جنين تناولت هذا الانتماء الغريب المتناقض "(7)، ولهذا اختارت الرواية حركاتها الأربعة لتمنح كل واحدة منها استقلاليتها الحكائية التي تتجاور فيها الأصوات إذ لا وجود لحكاية متماسكة لكنها تتقاطع من حيث الدلالة ما يمنح السرد بنيته الفسيفسائية المتشظية نتاجا لهذا التعدد الأصواتي حيث تتناوب الشخصيات على الحكي لتعكس تجارب مختلفة تتراوح بين النفي والاغتراب والعودة والبقاء في الأرض كما تتشظى الأمكنة وتنقسم في الرواية بين فضاءات مختلفة توحي بعدم الاستقرار الوجودي والانتماء المُعّلَّق.

إن السرد في "مصائر" يعلن عن عدم استقراره منذ الحركة الأولى حيث يتشظى بين زمنين ومكانين مختلفين حينما تفصح الشخصية (وليد) عن انقسامها بين الذكرى والواقع الجديد المؤلم ويتشظى السرد في الحركة الثانية حينما تشرع جولي في كتابة الحكاية (فلسطيني تيس) ما يولد طبقتين من السرد تتداخلان عبرالميتا سرد، وفي الحركة الثالثة يتجسد تشظ سردي من خلال المقابلة بين الهولوكوست والنكبة كما يظهر في الحوار التالي:".. برونشتاين بتيعتبر إنه مذبحة دير ياسين هي للي حددت العلاقة بين اليهود والعرب لما قريت له، اتذكر إنه متحف المحرقة مش ابعيد منعن ياسين"
"بعدك مصمم اتزور متحف الهولوكوست زي ما قلت لي؟ سألني.

"ارح أجرب بدي أشوف دير ياسين من خهنامك بدي اشوف كيف الضحايا بشوفو الضحايا "(8)، وتتشظى الأحداث في الحركة الرابعة الناظمة لكل الحكايات لتعكس الواقع المفكك والمعلق وغير المكتمل التي تعكسها تشظيات الأمكنة حيفا والقدس ويافا وليننغراد وتشظيات الذكريات" أتذكر باقي هناك في رواية جنين دهمان ومشاحناته الرفاقية .." (9).

ويظهر التشظي بسب تعدد الرواة حيث يتوزع الحكي بين السارد العليم كما في الحركة الاولى وعدد من الرواة في مختلف الحركات منهم وليد لكن في الحركة الثانية خاصة في الجزأين 4 و5 تظهر جنين لتأخذ زمام الحكي بعد عودتها مع باسم زوجها " :"عدت إلى ابلاد كعادتي بجواز سفري الاسرائيلي عبر مطار بن غورديون في اللد.. ووصل باسم بجواز سفره الامريكي عن طريق مطارعمان في الأردن" (10) ؛ليعود السارد العليم للظهور من جديد ؛تنويع في الرواة يمنح السرد تشظيه ويخلق زوايا نظرمختلفة للأحداث المروية يقول حميد لحميداني:"يسمح الحكي باستخدام عدد من الرواة ويكون الأمر في شكله الأكثر بساطة عندما يتناوب الأبطال أنفسهم على رواية الوقائع واحدا بعد الآخرومن الطبيعي أن يختص كل واحد مهم بسرد قصة مخالفة من حيث زاوية النظر لما يرويه الرواة الآخرون"(11).

لقد نجحت مصائر الهولوكوست في الجمع بين سردية القضية وجماليات التفكيك والتشظي مقدمة رؤية فنية تتجاوز حدود السرد والتوثيق التاريخي عبر بوليفونية عكست المصائر وتعقيد الهوية الفلسطينية واستطاعت أن تجلي وحدة المأساة الإنسانية عبر مقابلة سردية بديعة للمحرقة بالنكبة لتضع الرواية والقارئ أمام مساءلة حقيقية للتاريخ وإعادة بنائه فنيا وجماليا، فتمكنت من إرساء فسيفساء جمالي جلى الواقع الفلسطيني المفكك بعمق حيث التشظيات تملأ كل حيز من حركات الرواية.

الهوامش

1.منيرة شوقي مجلة الدراسات الأدبية والفكرية المبدأ الحواري عند ميخائيل باختين ع 3 ص 81
2. برعي المدهون رواية مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة المؤسسة العربية للدراسات والنشر / مكتبة كل شيء 2015 ص 34
3. الرواية ص 139
4. نفسه ص 35
5. نفسه ص 33
6. نفسه ص 239
7. حبشي أسامة جريدة الحياة ربعي المدهون حيفا حاضنة ثقافية للفلسطنيين الباقين في وطنهم 15ـ 3ـ 2016
8.الرواية ص 182
9.نفسه ص 202
10.نفسه ص 88
11. حميد لحميداني بنية النص السردي من منظور نقدي المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ط 1 سنة 1991 ص 49 وانظر J.L. Domotier etFr. Plazanet: Pour Lire Lele récit. Ed. Duclot.1980 P118


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى