السبت ٧ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٣
بقلم زياد شليوط

الشّعبة

"ولَك!" بهذا النّداء الغارق في القصد منه، نادى عليه مهران من داخل منجرته القابعة في زاوية السوق، ولما رأى رائد وقد التفت نحوه أردف قائلا بهمس مسموع "تعال.. تعال"، ولم ينتبه لرائد يدخل المنجرة، حيث انشغل بالنظر يمنة ويسرى وكأنه يتوجّس أمرًا ما.

أنا؟ .. أنا؟ تساءل الفتى الصغير العائد من السوق، بعدما انتهى من المشتريات، حاملا بعض الحاجيات بناء على طلب والدته. وأشار الفتى إلى صدره بإصبعه، وهو ينظر نحو مهران.

آه، أنت. وكان قد أمسك بيده بعدما فقد صبره وجر الفتى إلى داخل المنجرة مواصلا: أنت، آه، ما اسمك؟
أنا اسمي.. اسمي رائد، ليه؟ سأل الفتى ببراءة، ممزوجة بشك وريب.

رائـــــد.. مطها مهران وواصل- نعم.. تذكرت، أنت رائد وإنك رائد فعلا.. أنت أحلى رائد.

شعر رائد بارتياح ما للهجة مهران، لكنه لم يطمئن للغرض الذي أراده من أجله، وجرّه إلى داخل المنجرة. ماذا يريد يا ترى؟ هل استحسن منظري وشعري الأشقر؟ انه يتأملني من تحت إلى فوق ماذا يفكر؟ وهنا اندفع مهران قائلا له وبعجلة:

لكن.. قل لي.. ماذا تريد مني؟

خير.. خير.. قالها مهران بسرعة كما اعتاد أن يرد على زبائنه عندما يطلبون منه انجاز العمل الذي بدأ به.. أريدك أن توصل ورقة لجارتكم عدلة.. عدلة تعرفها جيدا، صحيح؟

وقبل أن يجيبه رائد، أردف مهران دون أن يترك له مجالا للرد أو التفكير:

أنا أعرف أنك تتردد على بيت جيرانكم كثيرا، وأنك تعرف عدلة، لا تنكر أيها الشقيّ. أريدك أن تناولها هذه الورقة فقط دون أن تتكلم، لا حاجة لأن تقول لها شيئا.. لا تقل شيئا، فقط ناولها الورقة.

لكن إذا رآني أبوها أو أخوها؟

إذا رآك أحد تدخل الدار لا ترد عليه ولا تكلمه.. فقط ناول عدلة هذه الرسالة.

انتفض رائد وكأن أفعى اقتربت منه: لا.. لا .. دعني أذهب.

انتظر يا مجنون، انتظر.. حاول مهران إبقاء رائد للحظات وهو مقتنع أنه سينجح في اقناع الصغير.. لا تخف إنك صغير ولن ينتبه لك أحد، فأنت تدخل عندهم كل يوم.

واذا رأوا الرسالة؟ سأل رائد في محاولة منه للتهرب من هذه الورطة.

لا.. لا .. ضع الرسالة في جيبك وسلّمها فقط لعدلة، أما اذا سألك أحدهم فقل له انك آت لتأخذ رغيف خبز أو أي غرض آخر للبيت. وقبل أن يجيب رائد بادره مهران بخبث وشقونة: اذا فعلت هذا لأجلي، سأعمل
لك شعبة من خشب الزيتون لتصطاد بها العصافير.

استهوت رائد الصغير الفكرة الجميلة والرائعة التي كان يحلم بها، أن تكون لديه شعبة ليصطاد العصافير في الوعر حين يخرج مع أصدقائه في مغامرات طفولية، أو يذهب إلى الحقل مع والده.

تناول رائد الرسالة من يد مهران وانطلق مسرعا نحو بيت الجيران قبل أن يعود بالأغراض إلى بيتهم. دلف إلى بيت جيرانه فلمحته والدة عدلة داخلا وسألته:

ماذا تريد يا رائد؟

أريد عدلة. أجاب رائد بعفوية وبساطة كما اعتاد عندما يحضر لتناول غرضا للبيت.

وماذا تريد من عدلة يا صعلوك؟ قالت له أم عدلة كما اعتادت هي الأخرى، وقد خبرت شقاوته وبراءته.

لقد طلبت مني أن أحضر لها بعض المكسّرات من السوق!

ولَك.. متى طلبت منك ذلك، لم أسمعها تتكلم معك.

أنا عارف، طلبت مني، المهم أين هي؟

انها في الداخل. أجابت أم عدلة وابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهها، إعجابا بشقاوة رائد الذي يدخل لقلبها السرور كلما رأته.

التقى رائد عند الباب بعدلة، التي خرجت تستطلع الأمر بعدما سمعت جانبا من الحوار بين رائد ووالدتها، وعندما رآها أومأ اليها برأسه أن تدخل الى البيت، فاستدارت مسرعة وهو في اثرها. مد يده إلى جيبه وأخرج الورقة وناولها إلى عدلة، وقال بعدما رأى السؤال في عينيها

هذه رسالة من مهران..

أسرعت عدلة بكف يدها وأغلقت بها فم رائد قبل أن يواصل كلامه، وأخذت الرسالة وأخفتها داخل ثوبها بسرعة البرق، وصرفت رائد وهي تقول بصوت مسموع: الله يسامحك.. لا تنسى المكسّرات المرة الجاي..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى