الغبار
لم يمرَّ الزمنُ في تلك البقعة النائية بآلية العقارب، بل بكثافة الهباء الأزلي وهو يترسب فوق الأسطح الناتئة، مخلفاً جداراً يحجب الماهية عن الوجود. في ذلك التجويف الخشبي المطل على سحيق "وادي الصدى"، اتخذ نسيمٌ هيئة التماثيل الشاخصة، مطوقاً بكفيه الهرمتين كأساً من السائل الفاتر الذي فقد هويته، بينما تعلقت حدقتاه بخيط أثيري لامرئي عند خط الأفق؛ هناك حيث يلتهم الغسق بقايا الضياء بآلية هضمية بطيئة صامتة. ولم يكن تمظهر السكون السائد مجردَ فراغٍ سمعي، بل تجسد كياناً هلامياً يتنفس برتابة كونية، يمتص زفير العابرين ليحيله إلى رماد معلق في الفراغ.
انسل العم إدريس من وراء الظلمة، ساحباً خلفه مقعداً متهالكاً كأنه يسحب بقايا دهر منقضٍ، وبحركة دائرية ممعنة في التكرار، مسح الطاولة بخرقة بالية. ولم ينبعث فعله عن رغبة في التطهير، بقدر ما كان محاولة يائسة لكشط ملامح الأمس التي تكلست فوق الخشب. التفت نحو الفراغ المحيط بهما، وقذف بنبرة تشبه حفيف الأوراق الميتة في فيافي النسيان: "أما زلت تفك طلاسم الترانيم التي لم تجد طريقاً للنطق بعد؟"
تحرك رأس نسيم بزاوية طفيفة، كمن يزاحم ثقلاً من القرون الغابرة، ولم تلتقِ عيناه بعيني إدريس، بل نفذتا عبر ظله المتمدد على الجدار المطلي بالكلس، ووجّه كلماته إليه: "الأشياء التي تقتفي أثرنا لا تصاغ بالحروف يا إدريس، إنها تسكننا كأطياف نُفيت من قواميس الكينونة، ووجودنا هنا ليس إلا محاولة واهية لتقليص هذا الثقل الذي يتراكم في الصدور كالمقابر المعلقة."
في الزاوية السحيقة التي استوطنها الغبش، كانت ليلى تداعب الفراغ بأصابعها النحيلة فوق الطاولة، تخط مسارات لعزف أخرس لا يجد صدى إلا في تجاويف روحها؛ إذ غادرتها الترددات الصوتية منذ أمد، لكنها أصبحت تتلقى اهتزازات الجدران وارتعاشات الأثير.
وعلى مقربة من مدارها، كان ياسين يعبث بمرسمه، يخط بعنف دوائر سحرية متداخلة، في محاولة يائسة لاحتجاز ماهية الريح تلك الريح التي هجرت الوادي وتركت وراءها هذا الركود الثقيل.
باغت ياسين السكون، وحوّل نظراته الثاقبة نحوها، ثم مرر ورقة كُتبت بخط مهتز: "لماذا الاستمرار في تتبع إيقاعٍ انمحت أوتاره؟"
طالعت ليلى السطور، فارتسمت على ثغرها ابتسامة شاحبة كضوء قمر يحتضر خلف حُجب الغمام، وهمست بصوت يكاد يتلاشى: "لأن السكون هو الكيان الوحيد الذي لا يرتدي قناعاً، أما تلك الكلمات التي حسبناها نصوصاً مقدسة، فما هي إلا شباك نسجتها الحيرة لاقتناص هوامش الهوية."
ومع التئام شمل الليل، انبعث من قاع الوادي غبار غامر، متسللاً عبر الشقوق الدقيقة، ليغمر الأجساد الأربعة بغلالة سرمدية، محولاً الفضاء إلى لوحة تجريدية لم تتضح ملامحها بعد. نهض نسيم كمن يتحرك في ماء لزج، واتجه صوب النافذة، وألصق جبهته بالزجاج البارد، مصغياً إلى إيقاع خفي لا يدركه غيره، وقال دون أن يلتفت: "إنه يتلاشى.. الوتر الذي كان يربط جزيئاتنا يذوب الآن في الغبار المنتشر."
تيبست الأجساد الثلاثة في مواقعها، وسأله العم إدريس وهو يضغط بكفه على حافة الطاولة المتهالكة: "ما الذي يبتلعه هذا المدى؟"
فأجاب نسيم وهو يحدق في انعكاس ملامحه الهاربة على الزجاج: "تلك الهوية التي توهمنا امتلاكها، لسنا سوى مجازات منسية في رقيم بائد، والآن يستعيدنا الفراغ المطلق."
أطلق ياسين ضحكة مكتومة كحشرجة الزجاج المنكسر، ومزق أوراقه بعصبية متناهية: "إذن نحن مجرد أخيلة تعبث بها الاحتمالات؟ لست أبتغي تفسيراً، بل صرخة واحدة تبتر هذا التلاشي، صرخة لا يستوعبها الصدى."
خطت ليلى خطوات طقوسية نحو ياسين، ووضعت كفها الباردة فوق نبضه، وقالت بلهجة ممعنة في السرية والاستغراق: "الصرخة تولد وتفنى هنا، في هذا الخفقان المبهم الذي يأبى الانصياع لقوانين التفسير."
ثم أطبق الركود الأزلي على المقهى المعلق بكثافة تفوق الاحتمال بمقدارٍ يسير، حيث تداخلت الشخوص مع الضباب وتلاشت الحدود بين المادة واللاشيء، ولم يعد ثمة فارق بين المقاعد الخشبية والأجساد الجالسة عليها، تاركين وراءهم فضاءً مغلقاً، وكأساً انمحت تفاصيلها، وورقة بيضاء في كراسة ياسين لم يتبقَ فيها سوى أثر واهن لخط مستقيم يمتد نحو الأفق المجهول، متلاشياً في المدى المعتم.
