الأحد ٢ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

قراءة في قصة «من يكسب الرهان؟» لعادل سالم

التشظي بوصفه شكًا متجسدًا: قراءة في قصة «من يكسب الرهان؟» لعادل سالم

يدخل القاص إلى لحظة الكتابة بوصفها حالة تأهّب داخلي تتجاوز الفعل العابر أو الاستجابة المباشرة للحدث؛ إذ تتخللها يقظة تتوتر فيها الحواس وتتشابك الذاكرة مع الخيال. إن الولوج إلى القصة القصيرة يبدأ من تلك المنطقة الملتبسة بين الإدراك والحدس؛ حيث يتخلق الحدث من مجرد ومضة، أو اختلال خفيف في انتظام الواقع يلتقطه الكاتب قبل أن يتبدد. وفي هذه اللحظة، ينصت القاص لما يتخفّى خلف الحكاية: ينصتُ إلى القلق، وإلى الأسئلة المؤجلة، والتوتر الذي يفتش عن لغته.

ومن هنا، تتبلور القصة القصيرة بوصفها تجربة اكتشاف وتجلي تجسيد حكائي يخوضها الكاتب وفق حساسيته الخاصة. إن كل تفصيل، مهما بدا عابرًا، يتحول إلى بؤرة دلالية، وكل إحساس طفيف يصبح مفتاحًا لبناء توتر سردي كامل. لذلك، فإن لحظة التأهّب هذه تمثل جوهر الكتابة الخفي، وهي اللحظة التي يقرر فيها القاص أن يمنح الواقع معنى آخر، وأن يختبر حدوده عبر السرد.

ضمن هذا الأفق، تنبثق التجربة السردية للقاص عادل سالم من تفاصيل يومية مألوفة، لكنها سرعان ما تنزلق نحو مناطق القلق والمفارقة، كاشفة عن عالم داخلي مضطرب يتجاوز بساطة الحدث الظاهري.

وفي هذا السياق التأويلي، تطرح قصة «من يكسب الرهان؟» (*) سؤالًا مركزيًا يتجاوز حكايتها الظاهرية ليطال بنية الإيمان الإنساني ذاته: هل يكفي اليقين العقلي لمواجهة الخوف العميق؟ أم أن اللاوعي قادر على تقويض أكثر القناعات صلابة؟ ينطلق النص من رهان بين العلم والخرافة، ليتهي بفرصته إلى منطقة ملتبسة يغيب فيها الانتصار الواضح لأي طرف.

منذ الجملة الأولى، يرسّخ الكاتب ثقة البطل بعقله: «فأمام العلم تسقط كل تخاريف الماضي»، وهي عبارة تُعلن موقفًا عقلانيًا حاسمًا وتؤسس في الوقت ذاته لبنية مفارِقة؛ إذ إن هذا اليقين نفسه يخضع للاختبار. فالقصة تكشف هشاشة اليقين عندما يتعرض لضغط نفسي شديد وتغوص في أعماقه.

يبدأ التحول المفصلي عبر انزلاق مفاجئ من الواقع إلى الكابوس: «شعر أن رأسه قد أصبح ثقيلًا، ثم تغير شكل يديه… تشبهان يدي كلب». هنا يدفع السرد بالقارئ مباشرة إلى قلب التجربة دون تفسير مسبق، في تقنية تُحاكي منطق الحلم حيث تغيب السببية ويحلّ محلها الإحساس. هذا التحول الجسدي يُقرأ بوصفه تجسيدًا لانكسار داخلي؛ إذ يتحول الإنسان إلى كائن فاقد للغة: «حاول أن يشرح لأمه… فكان صوته يخرج نباحًا». إن فقدان اللغة هنا يرمز إلى فقدان الهوية، وعجز الإنسان عن إثبات ذاته حين يُحاصر بسوء الفهم.

تتعمق الدلالة حين يواجه البطل أقرب الناس إليه. فالأم التي يُفترض أن تكون ملاذًا تتحول إلى مصدر عنف: «حملت عصا المكنسة… ولحقت به بالعصا كي تطرده». هذا المشهد يكشف قسوة الإدراك الحسي؛ فحين يتغير الشكل تتبدد الروابط الإنسانية، ويبلغ ذلك ذروته في صرخته الضمنية: «رجاها بنباحه أن تتوقف فهو جميل ابنها»، حيث تتكثف مأساة الاغتراب: أن تكون حاضرًا دون أن يُعترف بك.

ويمتد هذا الرفض إلى المجتمع، كما في مشهد الجار: «فما كان من جاره إلا أن ضربه بحجر»، وهو اقتطاف يكشف أن العنف بنيوي ومتجذر، وأن المجتمع يتعامل مع المختلف بوصفه خطرًا يجب إقصاؤه. وفي مقابل هذه القسوة، يقدّم الكاتب مفارقة إنسانية دقيقة عبر الطفل: «أول مرة أرى كلبًا يبكي كالبشر»، إذ ينبع التعاطف ممن لم يتشبع بعد بمنطق الأحكام الجاهزة.

تبلغ القصة ذروتها الرمزية في اعتراف البطل: «يبدو أنه أقوى من العلم… ليتني لم أراهنه». هنا يتصدع اليقين نتيجة نجاح الخوف في زعزعة الإيمان بالعقل. فالتجربة التي يعيشها جميل هي تجربة نفسية عميقة، تكشف أن العقل حين يُدفع إلى أقصى حدوده يستسلم لسيناريوهات خرافية.

أما مشهد المواجهة مع الساحر «عفاش» فيحمل عنفًا دلاليًا لافتًا: «غرز أنيابه في يده… حتى وصلت أنيابه للعظم». هذا العنف يُقرأ بوصفه انتقامًا من الخوف ذاته، أو محاولة لاستعادة السيطرة عبر الجسد بعد انهيارها على مستوى الفكر. غير أن النهاية تقلب المعادلة مرة أخرى، إذ يكتشف القارئ أن كل ما حدث كان كابوسًا خاطفًا: «– نائم؟ هل كنت نائماً؟».

تتجنب القصة تقديم نهاية مريحة؛ فالسؤال يبقى معلقًا: «إذن من الذي كسب الرهان؟»، ويأتي جواب الأب ليزيد الالتباس: «هو الذي جعلك تشك فيما تؤمن به». هنا تتضح رؤية النص؛ فالهزيمة تتجسد في اهتزاز الثقة وتداعي اليقين، فقد نجح الخصم – سواء كان الساحر أم الخوف – في اختراق يقين البطل.

أسلوبيًا، يعتمد عادل سالم على لغة تتسم بالبساطة وعفوية الانسياب، ومشعوذة بـإيقاع سردي متصاعد يقوم على التكرار والتراكم، خصوصًا في مشاهد المطاردة والعنف. كما يوظف الحوار بوصفه أداة لكشف المفارقة الفكرية وتجاوز مجرد التبادل الكلامي. أما البناء، فيتسم بدائرية خفية؛ إذ يبدأ بالرهان وينتهي إليه بعد أن يعيد صياغة معناه الأول.

في المحصلة، تكشف القصة عن منطقة ثالثة هي منطقة القلق الإنساني التي يتجاور فيها اليقين والشك؛ إنها قصة عن هشاشة الإنسان حين يواجه ذاته، وعن قدرة الخيال – أو اللاوعي – على إعادة صياغة الواقع وتمثيله. لذلك، فإن السؤال الختامي يترك القارئ داخل الرهان نفسه متأملًا في أبعاده.

الهامش

(*) من يكسب الرهان؟؟ : قصة قصيرة للقاص عادل سالم، نُشرت في موقع ديوان العرب بتاريخ 26 / حزيران/ 2016.

كتبت في 14ـ 18 / 5 / 2026.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى