الموتُ بالتقسيط
يا ولدي…
أبوك ماتَ مرَّةً واحدة،
أمّا أنا، فمنذ تلك الليلة، وأنا أموتُ على دفعات.
كلُّ يومٍ يسقطُ منّي شيء:
نبرةٌ كانت دافئة،
رغبةٌ صغيرة في الحياة،
وضوءٌ خافتٌ كنتُ أستعين به على احتمال العالم.
يومَ سمعتُك تقول لأبيك:
"يا عجوز… يا غبي"،
نظرتُ إليه، لا إليك.
كان واقفاً بصمته القديم، كأنّه يحاول أن يتذكّر في ملامحك الطفلَ الذي كان يخبّئ يديه الباردتين في جيبه كي لا توقظهما لسعةُ الشتاء.
أتذكر؟
كان يسبق الفجر إلى الماء، يلمسه أوّلاً بيديه، كي لا يلسع البردُ قدميك الصغيرتين.
في تلك اللحظة فقط، شعرتُ أنّ البيت صار أضيق من خجلنا، وأنّ السقف الذي ظلّ يحرسنا سنين طويلة، لم يعد قادراً على ستر انكسار رجلٍ هزمه ابنه.
كنتُ أخيفك بالذئب كي تنام في حضني،
فكبرتَ…
وصرتُ أنا أخاف النوم، خوفاً من الذئب الذي ربّيته بقربي.
1. عن الصوت
حين كنتَ صغيراً، لم أكن أنام؛ كنتُ أراقب أنفاسك.
كان شهيقك وزفيرك يطمئنانني أكثر من طمأنينة العالم كلّه.
ثم كبرت.
وصار صوتُك يدخل البيت بعنفٍ لا يشبهك.
كلُّ كلمةٍ منك كانت ترتطم بالجدران ثم تستقرّ في صدر أبيك.
كنتُ أراك تصرخ، فألتفتُ نحو الباب خجلاً من الجيران، ثم ألتفتُ نحوه خوفاً عليك… ومنك.
أمّا هو، فكان يصمت.
يصمتُ بطريقةٍ موجعة، كأنّه كلّما نظر إليك، أخذ ينقّب في وجهك عن طفله القديم فلا يجده.
وفي الليل، كنتُ أسمع سعاله المكتوم من الغرفة المجاورة.
كان يخنق صوته بجهد، كأنّ مرضه نفسه صار يخاف أن يزعجك.
2. عن البيت
هذا البيت لم نبنه بالحجارة وحدها.
لقد بنيناه بأعمارنا.
كلُّ زاويةٍ فيه تحمل شيئاً منك:
ضحكة،
خطوةً صغيرة،
أو فوضى تركتها ثم كبرتَ وتركتنا معها.
حتى الجدار القريب من النافذة، ما زالت عليه شمسٌ وثلاثة عصافير رسمتها بيدك في يومك المدرسي الأول.
ضحكتُ يومها كثيراً.
لم أكن أعرف أنّ الإنسان قد يقضي عمره كلّه وهو يبني سقفاً آمناً، ثم يخرج منه في آخر الطريق غريباً.
كنتُ أكنس التعبَ تحت السجاد، وأترك دموعي للمطبخ، وأقول لنفسي دائماً:
"المهم أن يكبر الأولاد بخير."
لكنّ الأولاد يكبرون أحياناً… ويأخذون معهم دفءَ البيت.
حين خرجنا، لم أبكِ الجدران.
بكيتُ الأشياء التي بقيت تنتظرنا:
مقعد أبيك،
مصحفي المفتوح،
نظارتي على الطاولة،
والسجادة التي حفظت أثر جباهنا سنين طويلة.
حتى الضوء بدا غريباً بعدنا.
3. عن القهر
يقولون إنّ أباك مات قهراً.
لكنّ القهر لا يقتل دفعةً واحدة.
إنّه يجلس قرب الإنسان بصبر، ويأخذ من روحه قليلاً… كلَّ يوم.
في أشهره الأخيرة، صار أبوك يمشي في البيت بحذرٍ يشبه اعتذار الضيف.
مرّةً رأيتُه يأكل بسرعة، كأنّه يخجل من الجوع.
ومرّةً اعتذر لك لأنّ الكوب سقط من يده المرتجفة.
ومرّةً وقف طويلاً أمام باب غرفته، ينظر حوله بذهولٍ خافت، كأنّ البيت الذي أفنى عمره في بنائه لم يعد يعرفه.
ثم رحل.
رحل بهدوءٍ متعب، كأنّ الموت كان آخرَ ما تبقّى له من الراحة.
ومنذ أن دفنّاه، لم أعد أعرف:
أيُّنا الذي وُوري التراب حقاً؟
هو… أم أنا
4. عن الخوف والدعاء
تعلّمتُ أن أمشي في بيتي بخفّة اللصوص.
أرتّب الأطباق بحذر، وأغلق الأبواب بصمت، وحتى سعالي صرتُ أخفيه في صدري.
تخيّل يا ولدي…
أنا كنتُ أخاف عليك من نسمة البرد، وأصبحتُ أخاف من وقع نعلي أمامك.
ولأنّي أمّ، كنتُ أعجز عن الدعاء عليك.
كلّ ليلةٍ أرفع يدي، ثم أعيدهما إلى حجري فارغتين.
كنتُ أدعو لك بالهداية، وأبكي كلّما شعرتُ أنّ قلبك يبتعد أكثر.
لكنّ التعب، يا ولدي، يستهلك الأمّ ببطء.
ولهذا أقولها الليلة للمرّة الأولى:
اللهم…
إمّا أن تردّه إليّ قلباً يشبه ذلك الطفل الذي عرفته،
أو انزع من صدري هذا الانتظار الأليم.
5. المقبرة
لو طرقتَ بابي الآن وقلتَ:
"أمّي"…
لسبقك قلبي إلى الباب.
لكن إن عدتَ يوماً ولم تجدني، فلا تسأل عن حضني، وعن رائحتي.
ستجد قبراً صغيراً، مبللاً بالدموع،
وامرأةً أنهكها الانتظار.
هناك ترقد أمٌّ ظلّت، حتى آخر العمر، تظنُّ أنَّ همس الريح على الباب… هو خطى ابنها الحبيب.
وكان كلُّ مساءٍ يمرُّ عليها
كجنازةٍ صغيرة.
حتى تعبَ الموتُ من طولِ انتظاري لك…
فمضى بي.
فلا تحزن.
