الأحد ٢٦ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

باب سعود

مسرحية: باب سعود

مقدمة

البيوت لا تُبنى بالجدران، بل بالأصوات التي تسكنها… وبالأبواب التي تُفتح انتظارًا، لا دخولًا.

في هذا البيت، لم يكن الباب خشبًا فقط… بل كان قلبًا يُشرّع نفسه على الغياب. كلُّ طرقةٍ وعد، وكلُّ صمتٍ خوف.

وهنا… تبدأ الحكاية، حيث الحرب لا تُرى أولًا… بل تُسمع في قلب أم.

وصف المكان

بيت شعبي بسيط، تتوسّطه صالة صغيرة ذات ملامح مألوفة. باب خشبي قديم يحتل الواجهة، كأنه شاهدٌ على كل الداخلين والراحلين.

نافذة تطل على شارع عادي، لكنه يتحول مع الزمن إلى مسرح للانتظار.

طاولة صغيرة تعلوها شمعة، تزداد أهميتها كلما خفّ الضوء.

في الخارج: حي هادئ، يتبدّل مع الحرب إلى فضاء قلق، يضجّ بالأخبار والخوف.

الزمن

غير محدد بدقة؛ يمتد من صباحات هادئة قبل الحرب، إلى لحظة الاستدعاء، ثم إلى أيام الحرب الثقيلة.

الشخصيات

أم سعود: امرأة خمسينية، تحمل في صوتها حنانًا وخوفًا متلازمين.

سعود: شاب في أوائل العشرين، هادئ، مطمئن، يحمل حسّ المسؤولية.

أبو ليث: رجل ستيني، عمّ سعود، طيب القلب، يمثّل صوت الواقع الحذر.

الضابط: شخصية رسمية، حضوره حاسم ومباشر.

الجار الصغير: حامل الرسائل، رمز الأخبار المتقطعة.

الراوي (صوت): يظهر لاحقًا كصوت تأملي.

أهالي الحي (رجال ونساء): يمثّلون الجماعة/الشاهد.

الفصل الأول ـ المشهد الأول

المكان: بيت أم سعود – صالة بسيطة، باب خشبي قديم، نافذة تطل على الشارع، طاولة صغيرة تعلوها شمعة.

الزمن: صباح يوم عادي قبل الحرب… حتى صباح يوم الاستدعاء (مواليد محددة للقتال)… وصولًا إلى أيام الحرب.

الإضاءة: تبدأ بيضاء دافئة، ثم تنحدر تدريجيًا إلى الرمادي، فالزرقاء الباهتة، ثم الأصفر الخافت، فالأحمر.

(تدخل أم سعود ببطء، تحمل قطعة قماش وتنظّف الطاولة أمام النافذة. تتوقف فجأة، تحدّق إلى الخارج بصمت طويل.)

أم سعود (بصوت داخلي):

اليوم تأخرت يا سعود… لا أعرف لماذا. كل يوم تقول: "يمّه، لماذا تهتمين بالباب كثيرًا؟" فأجيبك: "هذا الباب مثل صدري… يجب أن يبقى مفتوحًا لك."

(تقترب من الباب، تفتحه ببطء، تنظر إلى الشارع، ثم تغلقه بهدوء.)

(يدخل أبو ليث، رجل ستيني طيب القلب، يمشي بهدوء.)

أبو ليث: صباح الخير يا أم سعود. ما شاء الله، كعادتك تستيقظين قبل الشمس.

أم سعود (بابتسامة خفيفة): كثير من الأشياء تتأخر في الدنيا… لكن الشمس لا. وأنا لا أحب أن أتأخر أبدًا.

أبو ليث: هذه عادتك… هل تعلمين يا أم سعود بالأخبار؟

أم سعود (تبتسم بصعوبة): ماذا هناك أيضًا؟ لم يبقَ شيء لم نسمعه.

أبو ليث (متردد): الأخبار تشير إلى أن الوضع يزداد سوءًا… والشباب… قد يُستدعون للقتال.

(تتجمد الأم، تمسك قلبها بيدها.)

أم سعود: الشباب… تقصد سعود؟ لماذا تأخذ الدنيا الوحيد؟ ألم يكفِ أنها أخذت أباه؟

أبو ليث (يخفض رأسه): الله يستر… حتى الآن لا يوجد شيء رسمي. ربما تهدأ الأمور.

أم سعود (بحزن مكابر): الهدوء… يشبه فرصة حلم… يأتي ثم يطير.

(يدخل سعود من باب الغرفة. شاب في أوائل العشرين، ملامحه مطمئنة وودودة.)

سعود: يمّه! صباح الورد.

أم سعود (تفتح ذراعيها): أهلاً بروحي.

سعود (يلتفت لأبو ليث): أهلاً عمّي أبو ليث… ما الأخبار؟

أبو ليث (يتردد): قبل أن تأتي، كنتُ أتحدث مع أمك عن أن الأوضاع تتجه نحو الأسوأ.

سعود: أعلم… هذا واضح.

(يجلس الثلاثة، ويتسرّب التوتر في الجو.)

أم سعود: سعود… أنت لا تخف يا بني من كل هذا الكلام.

سعود (يمسك يدها): يمّه… أخاف من شيء واحد… دمعتك.

أم سعود: لا تنزل إلا عليك… لا تخف.

أبو ليث: الله يكتب السلامة… لكن إذا اشتعلت الحرب، فلا أحد يستطيع إيقافها.

(تتغير الإضاءة تدريجيًا إلى الرمادي، مع أصوات قصف مكتوم.)

تعليق صوتي – سعود (خافت):

كل الطرق التي سارت عليها أمي… كانت تؤدي إلى باب واحد… بابي.

(تخفت الإضاءة.)

انتقال داخل المشهد – غرفة سعود / صباح الاستدعاء

(الإضاءة تتحول إلى زرقاء باهتة. سعود يرتدي زيًا عسكريًا جديدًا، يربط حذاءه. أم سعود تقف خلفه صامتة.)

أم سعود (بتوسل): هل يجب أن تذهب؟

سعود (ثابت الصوت): يمّه… الوطن على عاتقي وعلى عاتق الشباب مثلي. إن لم نقف… فمن يقف؟

أم سعود (تهتز): لكنك وحيد… وحيد يا سعود… ليس لي غيرك.

سعود (يقترب منها): يمّه… إن بقيتُ، ستتألمين كل يوم أكثر… وإن ذهبتُ، فقد أعود… ربما يكون الصبر احتمالًا يطول… لكن عدم الذهاب وجع وانكسار.

(تبكي الأم بصمت مكتوم.)

سعود:

ليست دمعتك ما أخاف منه… أخاف يوم أرى عينيك بلا ضحكة.

(يمسك يدها ويقبلها. يدخل ضابط شاب.)

الضابط: هل أنت جاهز؟

أم سعود (مرعوبة): جاهز؟ يعني تذهب لتسلّم روحك؟!

سعود: يمّه… أعدك… أول ما أعود… أطرق الباب ثلاث طرقات… كما في كل مرة.

(يخرج سعود مع الضابط. تنهار الأم على الكرسي.)

أم سعود (تبكي بحرقة): رحل… رحل ولدي…

(صفّارة حرب. الإضاءة تتحول إلى أحمر خافت.)

انتقال داخل المشهد – أيام الحرب / الصالة

الإضاءة: صفراء باهتة، أصوات القصف بعيدة.

(أم سعود جالسة قرب النافذة، يدها تتحرك ببطء على صورة سعود.)

أم سعود (بصوت منخفض):

سعود… إن كنت تسمعني… لماذا لم تعد؟ لماذا تركت الباب مغلقًا؟

(يدخل أبو ليث، يضع يده على عتبة الباب.)

أبو ليث: عليكِ أن تصبري. الأخبار عن سعود غير واضحة بعد.

أم سعود (بمرارة): غير واضحة؟ كل الأخبار واضحة… الشباب يذهبون… ولا يعود أحد.

أبو ليث: نعم… لكننا نحاول التمسك بالأمل.

أم سعود: الأمل؟

الأمل مثل ظل… يأتي ويختفي… (تتنفس بعمق.) كل يوم أنظر إلى الباب… وأنتظر ثلاث طرقات… ولا شيء.

(يدخل جار صغير السن يحمل ورقة.)

الجار: خالة… وصلتني رسالة من سعود.

أم سعود (بلهفة): أعطني… أعطني…

(تأخذ الرسالة بيدين مرتجفتين وتقرأ بصوت ثابت يرتجف في نهاياته.)

أم سعود (تقرأ):

"يمّه… إذا وصل هذا الكتاب… فاعلمي أنني بخير… أو أحاول أن أكون بخير… لا تبكي… وكوني قوية."

(تسقط الورقة. تمسك الطاولة وتبكي بصمت.)

أبو ليث: روحه تحوم حولنا… نسمع صوته في كل مكان. لا أحد يستطيع نسيان سعود.

(تنهض فجأة، تمسح دموعها.)

أم سعود: يجب أن يبقى البيت نظيفًا… وأن يبقى الباب مفتوحًا… حتى لو لم يعد… حتى لو…

(تخفت الإضاءة تدريجيًا. أصوات القصف تقترب.)

الفصل الأول ـ المشهد الثاني

المشهد – أمام بيت أم سعود / لحظة وصول الخبر

المكان: باب بيت أم سعود – ظهيرة غائمة، أصوات صفّارات بعيدة.

الإضاءة: شمس باهتة، ظلّ طويل يمتدّ على العتبة.

الديكور: باب خشبي قديم، كرسي عند الباب، دلو ماء، قطعة قماش، غبار على الأرض.

(أم سعود تكنس العتبة بهدوء. خطوات متقطعة تقترب.)

(يدخل أبو ليث مسرعًا، يتوقف قبل الاقتراب، يحاول ترتيب أنفاسه.)

أبو ليث (مضطرب): أم سعود… استمعي إليّ بهدوء…

أم سعود (تتوقف عن الكنس): خير؟ لماذا وجهك شاحب؟ هل حدث شيء في الحي؟

أبو ليث (يخفض رأسه): الشباب الذين خرجوا من الحامية… حدث اشتباك قرب الجسر… وكان سعود معهم…

أم سعود (تشدّ المكنسة): قل… ماذا حدث؟ لا تُخفِ شيئًا.

أبو ليث (متردد): لا أملك خبرًا مؤكدًا… لكن يقولون إنهم انسحبوا… وسعود… انقطع خبره.

أم سعود (ضحكة قصيرة مرتجفة): انقطع خبره؟ ماذا يعني ذلك؟ أضاع طريقه؟!

أبو ليث: ربما انسحبوا نحو الوادي… ربما تاه طريقه… لا ندري…

(تهتز يد أم سعود. تترك المكنسة وتجلس على درج الباب.)

أم سعود (بصوت مبحوح): سعود يعرف الطرق مثل كفّ يده… لا يضيع. لماذا يقول صوتك غير ذلك؟

(يصمت أبو ليث، لا يقوى على النظر إليها.)

أم سعود: مضى أسبوعان ولم يطرق الباب… ولم يبعث رسالة…

لو كان حيًّا… لوصل ولو يومًا واحدًا.

(تقف فجأة، تنظر إلى الطريق البعيد.)

أم سعود: يجب أن أذهب وأسأل… لا أبقى كالحجر.

أبو ليث (يمسك بعروة الباب ليمنعها): لا… الطريق خطر. ننتظر خبرًا أكيدًا… قليلًا فقط.

أم سعود (تسحب الباب وتهزه): الصبر صار كالملح… يحرق ولا يداوي.

(تخفت الإضاءة. صوت رياح يمرّ في الحي.)

ساحة الحي – بعد قليل

المكان: ساحة ترابية، الأهالي مجتمعون حول جدار عُلّقت عليه أوراق وبيانات.

الإضاءة: نهار ثقيل، غيمة رمادية فوق الرؤوس.

(رجال ونساء، همهمات، وجوه قلقة. أطفال ينظرون بحيرة.)

(يدخل الجار الصغير راكضًا وهو يحمل برقية مختومة.)

الجار الصغير (لاهثًا): وصلت ورقة من المدينة… من دائرة الجرحى والشهداء… تخص سعود!

(تعمّ الفوضى. يندفع أبو ليث ويأخذ الورقة.)

أبو ليث (يقرأ بصوت يرتجف):

"يُعلن مركز الطوارئ… استشهاد المتطوّع سعود… أثناء إنقاذ جرحى قرب الجسر."

(يصمت الجميع. بكاء مكتوم بين الناس.)

امرأة: الله يرحمه… كان أول من يركض إذا حدث شيء…

رجل كبير: منذ صغره شجاع… لا يعرف التراجع.

جار آخر: استُشهد وهو ينقذ غيره… ليس بإمكان أيّ شخص أن يفعل ذلك.

يجب أن نقف مع أمه… ونرفع رأسها.

الجار الصغير: حتى شباب المدينة كتبوا عنه… "من ضحّى من أجل غيره لا يموت."

(يتحرك الناس نحو بيت أم سعود بخطى بطيئة. الدموع تُمسح بخجل، والرؤوس مطأطئة.)

أمام البيت – مواجهة الحقيقة

المكان: أمام البيت نفسه. السكون ثقيل، الهواء شاحب.

(يقترب أبو ليث ومعه رجال الحي. يحاولون إيجاد كلمات لا تأتي.)

أحد الجيران (بخفوت): أيّ كلمة لن تفي بتعزيتها… المهم أن نبقى بقربها حتى لا نتركها وحدها.

(تفتح أم سعود الباب وتخرج. خطواتها بطيئة لكنها ثابتة.)

أم سعود (تنظر للجميع بعيون متعبة): أنتم جميعًا أمامي… إذن هناك خبر؟

(يمدّ أبو ليث الورقة بيد مرتجفة.)

أبو ليث (بصوت مبحوح): أم سعود… سعود… استُشهد.

(تتجمد الأم، تستند إلى الباب كمن يتلقى ضربة في صدره. صمت طويل.)

أم سعود (همسًا وهي تحدّق في الفراغ):

سعود… كان يعرف الطريق إلى أمّه…

يعرف كيف يعود…

(رجال الحي يضعون أيديهم على صدورهم احترامًا. النسوة يبكين بصوت مكتوم.)

أم سعود (بهدوء مؤلم، لكنه قوي):

إن كان قد ضحّى… فهذه روحه العالية.

لكنني… سألتقيه في مكان آخر… المكان الذي يأخذ كلَّ امرئٍ بما قدّم.

(تتحرك نحو الساحة ببطء، كأنها تسير في طريق لا يراه غيرها.)

أبو ليث (يلحقها): أم سعود… الناس ينتظرونك…

أم سعود (تتوقف وتنظر خلفها): لا أحتاج أحدًا… لا أحد يقودني…

سعود يمشي وحده… وأنا أرى خطاه أمامي…

(تتابع سيرها. الناس يفسحون لها الطريق صامتين.)

الإضاءة تتلاشى تدريجيًا…

صمت كثيف يخيّم على المكان…

الفصل الثاني ـ المشهد الأول

المشهد – أمام بيت أم سعود / بعد استشهاد سعود

المكان: أمام باب بيت أم سعود – شجرة صغيرة مزروعة بجانب الباب، شمعة مضاءة، دلو ماء، كرسي قديم.

الإضاءة: ضوء الشمعة خافت، الليل هادئ، أصوات الريح.

الديكور: الباب الخشبي القديم، الشجرة الصغيرة، آثار الحرب في الحيّ، الغبار على الأرض.

(أم سعود جالسة على الدرج، تمسك فرع الشجرة. أبو ليث واقف قربها، يحاول تهدئتها. خطوات هادئة تدخل بها مجموعة من نساء الحيّ يحملن شموعًا.)

المرأة الأولى: أم سعود… جئنا لنقف معك… ونترحّم على ابنك…

أم سعود (بهدوء شديد): لا تبكين… أنا أبكي… أم إن دموعي هي التي تبكي؟

امرأة ثانية: كيف صبرك على فراقه؟

أم سعود (بصوت هادئ لكنه حزين): لم أصبر… لكنني وقفت… حتى لا يسقط اسمه… سعود لم يمت… صار هواءً… صار شجرة… صار بابًا لا يُغلق.

(النساء ينظرن بدهشة وإعجاب. بعضهن يضعن أيديهن على قلوبهن.)

أم سعود (تنهض، تضع الشمعة على جذع الشجرة):

كل عام أُعطي الضوء… حتى يعرف طريقه… حتى لو كان مع الريح.

(نسيم خفيف يحرك أوراق الشجرة. الأم تبتسم لأول مرة منذ رحيل سعود.)

أم سعود (تنظر إلى السماء):

يمّه… إن كنت لا تزال تسمعني… فاطرق الباب… ثلاث طرقات… حتى لو مع الريح.

النساء (همسًا): هل سمعتِ شيئًا؟

أم سعود (بابتسامة وعيون دامعة): نعم… هذه طرقته… لم ينسَ الوعد.

(تنتقل الإضاءة إلى الأم جالسة على الكرسي، تمسك خوذة سعود، تحدّق بها. أبو ليث واقف بجانبها.)

أم سعود (بصوت منخفض ومكتوم):

رحل… رحل ولدي… ولدي سعود…

أبو ليث (محاولًا التخفيف عنها):

أم سعود… أعلم أن الألم كبير… لكننا جميعًا فقدنا… جميعًا.

أم سعود (تنهض بعصبية):

جميعًا؟ لا… أنا فقدت العالم كله… هو دنيتي… قلبي… عيني…

(تضع الخوذة على رأسها للحظة، وكأنها تحتضنه. تتنهد.)

هذا كل ما تبقّى لدي… ولا يكفي.

(يدخل جار صغير آخر يحمل رسالة من زملاء سعود في الجيش.)

الجار الصغير:

أم سعود… وصلتني رسالة من سعود… كُتبت قبل أن… قبل أن…

أم سعود (تأخذ الرسالة بسرعة وترتجف):

أعطني… أعطني…

(تقرأ الرسالة بصوت مرتعش، ثم تسقط الورقة على الأرض وتنهار على الطاولة.)

أم سعود (تقرأ بصوت مسموع):

"يمّه… إذا وصلت الرسالة، فاعلمي أنني بخير… أو على الأقل حاولت… لا تبكي عليّ… وكوني قوية."

أبو ليث (يمسك كتفها برفق):


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى