الأحد ٢٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

حين يصبح الإنسان هو القضية

ليست الحياة عادلة دائمًا، وليست الطرق التي نمضي فيها مفروشة بالورد. هناك من يبدأ رحلته وفي يده مفتاح، وهناك من يقضي عمره يبحث عن بابٍ لا يُغلق في وجهه.

لكن الإنسان، في جوهره، لا يطلب المستحيل؛ يريد فقط أن يُرى كما هو، وأن يُسمع صوته دون أن يضطر إلى الصراخ، وأن يحصل على حقه دون أن تتحول كرامته إلى معركة طويلة.

نحن نعيش في زمن تتسارع فيه الأشياء، بينما تتأخر بعض القلوب عن الوصول. تتطور المدن، وتتسع الشوارع، وتزداد التكنولوجيا حضورًا في تفاصيل حياتنا، لكن السؤال الأهم يظل قائمًا:

هل اتسعت مساحة الإنسان داخل كل هذا التقدم؟

فالتقدم الحقيقي ليس في ارتفاع الأبراج وحدها، ولا في سرعة الأجهزة، ولا في كثرة الشعارات التي نرفعها عن المستقبل؛ إنما في أن يصبح الإنسان أكثر أمانًا، وأكثر قدرة على الاختيار، وأكثر احترامًا لكرامته وحقه في حياة تليق به.

هناك طفل يحتاج إلى مدرسة تفهم اختلافه، وشاب يبحث عن فرصة لا عن صدقة، وامرأة تريد أن تُعامل باعتبارها إنسانًا كامل الحقوق، وكبير سنٍّ يحتاج إلى من يمد له يدًا لا نظرة شفقة.

وهناك إنسان قد لا نعرف قصته، يمر بجوارنا كل يوم وهو يحمل في داخله معركة لا يراها أحد.

لذلك، فإن الحديث عن الحقوق لا ينبغي أن يبقى حبرًا على الورق. الحق الذي لا يصل إلى صاحبه يظل ناقصًا، والقانون الذي لا يشعر به الإنسان في حياته اليومية يفقد شيئًا من معناه الإنساني.

نحن بحاجة إلى ثقافة تجعل الاختلاف مساحة للتعارف لا سببًا للإقصاء، وتجعل الرحمة قوة لا ضعفًا، وتجعل احترام الإنسان قاعدة لا استثناء.

فالإنسان ليس رقمًا في ملف، ولا اسمًا في قائمة، ولا حالةً تنتظر توقيعًا.

إنه حكاية كاملة.

وحين نفهم ذلك، نكتشف أن بناء المجتمع لا يبدأ من الحجر، بل من احترام من يسكنون داخله.

ربما نستطيع أن نغيّر كثيرًا من الأشياء حولنا، لكن أعظم تغيير يمكن أن نصنعه هو أن نعيد للإنسان مكانه الطبيعي في قلب الحياة.

فحين يصبح الإنسان هو القضية، تصبح العدالة أكثر من قانون، والكرامة أكثر من شعار، والحياة أكثر استحقاقًا لأن تُعاش


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى