يا ويلتي!
يا ويلتي!
ما الذي تركه الليلُ على عتبة داري، ومضى دون أن يلتفت؟ أكان طيفًا أضاع طريقه إلى المقابر، أم رسولًا من مملكةٍ انطفأت مصابيحها، أم أنني، وقد طال بي السُّهاد، صرتُ أرى للعدم أقدامًا تمشي، وللصمت يدًا تطرق الأبواب؟
وجدتُ عند الفجر مفتاحًا صغيرًا، أسودَ كأنما انتُزع من جيب الليل، تتدلّى منه حلقةٌ نحاسية نُقش عليها اسمي، بخطٍّ أعرف انحناءاته ولا أذكر اليد التي خطّتها. قلّبتُه بين أصابعي، فإذا بذاكرتي تفتح نوافذها دفعةً واحدة، وتندفع منها رياحٌ قديمة تحمل رائحة عطرٍ غاب صاحبه، ووقع خُطًى حسبتُ أن التراب ابتلعها إلى الأبد.
في آخر الممر، لاح لي ما يشبه الباب؛ أو لعلّه لم يكن بابًا، بل فراغًا اتخذ هيئةً خشبية كي لا أنتبه إلى ما وراءه. لم أذكر أنني رأيتُه من قبل، لكن شيئًا في داخلي عرف موضعه، كأنني قضيتُ عمرًا طويلًا أتحاشى النظر إليه.
أدنيتُ المفتاح من القفل، فلم أدرِ أأنا التي أدخلته فيه، أم أن القفل هو الذي جذب يدي إليه. صدر عن الخشب أنينٌ خافت، وانفرجت العتمة بمقدار ما يسمح لسرٍّ قديم أن يتنفّس.
خلف الباب، وجدتُ غرفةً تتدلّى من سقفها خيوط العنكبوت كستائر قصرٍ هجره ملوكُه، وعلى الجدار مرآةٌ عريضة غطّاها الغبار. وفي صدر الغرفة مقعدٌ فارغ، فوقه ثوبٌ مطويّ بعناية، وإلى جواره كأسٌ لم يجفّ ما في قاعه من أثر الشفاه.
لم يكن في الغرفة أحد، ومع ذلك خُيّل إليّ أن أهلها انصرفوا قبل قليل، وأن أحاديثهم ما تزال عالقةً في الهواء، تلتمس صوتًا يبعثها من جديد.
مددتُ يدي إلى الثوب، فإذا بورقةٍ تنسلّ من طيّاته. لم تحمل تاريخًا، ولم تحمل توقيعًا؛ لم يكن فيها سوى سطرٍ واحد:
«لقد تأخرتِ كثيرًا».
ارتجفت الورقة في يدي، لا من الريح، فقد كانت النوافذ موصدة، بل من شيءٍ في صدري أخذ يضرب أضلعي كما يضرب الأسير باب سجنه حين يسمع وقع الحارس.
تأخرتُ عن ماذا؟ وعن مَن؟
أعدتُ قراءة العبارة، فبدت الحروف كأنها تتحرّك في مواضعها؛ تتقدّم حين أقترب، وتتراجع حين أمعن النظر فيها. عندئذٍ رفعتُ رأسي نحو المرآة، ومسحتُ عنها الغبار بطرف كُمّي.
لم أرَ وجهي.
رأيتُ امرأةً تجلس إلى طاولةٍ قديمة، تحيط بها رسائل كثيرة، وتكتب في ضوء شمعةٍ آخذةٍ في الاحتضار. كانت تكتب مسرعةً، كأنها تخشى أن يدركها الصباح، ثم تطوي الأوراق وتخفيها في صندوقٍ من خشب الجوز. وحين رفعت رأسها، أبصرتُ في عينيها بريقًا طالما حسبتُه بشارةً، فإذا به أشبه بضوء سفينةٍ تبتعد عن الشاطئ؛ يظلّ ظاهرًا حتى اللحظة الأخيرة، ثم لا يترك وراءه سوى بحرٍ أكثر اتساعًا ووحشة.
عرفتُ المرأة، أو خُيّل إليّ أنني عرفتها. كانت تشبهني في انحناءة الرأس، وفي الطريقة التي تضمّ بها أصابعها حين تخاف، وفي ابتسامتها التي تبدو للغرباء سلامًا، بينما هي في حقيقتها بابٌ موصد.
اقتربتُ من المرآة، فاقتربتْ هي أيضًا. رفعتُ يدي، فرفعتْ يدها. هممتُ أن أناديها، لكن شفتيها تحرّكتا قبلي، وخرج من فمها صوتٌ لم يكن صوتي:
«يا ويلتي».
تراجعتُ، فاصطدم ظهري بشيءٍ بارد لم أتبين حقيقته. وفي اللحظة نفسها انطفأت الشمعة داخل المرآة، وسقطت الرسائل من يد المرأة، وتبعثرت على الأرض كأسراب طيورٍ فزعت من شجرةٍ احترقت أعشاشها.
ثم انشقّ المشهد، كما ينشقّ ستارٌ أنهكه الانتظار.
وجدتُ نفسي أمام الطاولة ذاتها، والقلم ذاته، والورقة ذاتها. غير أن الحبر كان طريًّا، والشمعة مشتعلة، واليد التي تكتب كانت يدي.
نظرتُ إلى السطر الأخير، فإذا به يقول:
«لقد تأخرتِ كثيرًا».
ولم أعرف، وأنا أحدّق في الكلمات، أكنتُ أكتب رسالةً إلى غائبٍ طال انتظاره، أم إلى امرأةٍ تركتُها خلفي في أحد أعوام العمر، أم إلى نفسي التي ظلّت واقفةً عند بابٍ لم أجرؤ على فتحه.
عندها سمعتُ طرقًا خفيفًا.
ثلاث طرقات، تفصل بينها أنفاسٌ متعبة.
نهضتُ، ومددتُ يدي نحو ما حسبتُه مقبضًا. كان المفتاح الأسود ما يزال في راحتي، وقد سخن حتى خُيّل إليّ أن قلبًا صغيرًا ينبض في جوفه.
لم أتذكر أنني أغلقتُ شيئًا، ولم أكن واثقةً أنني خرجتُ من مكانٍ أصلًا. ومع ذلك، كان الطرق يتكرّر، وهذه المرة جاءني من جهةٍ لم أستطع تحديدها؛ من أمامي، أم من خلفي، أم من موضعٍ أعمق في رأسي.
توقفت الطرقات.
ثم سمعتُ صوتًا خافتًا، يشبه صوتي حين يوقظني الخوف من نومٍ ثقيل:
«أخيرًا».
لم أجب.
كان الصمت هذه المرة مختلفًا؛ لم يكن غيابًا للصوت، بل حضورًا لشيءٍ ينتظر أن أمنحه اسمًا.
التفتُّ، فإذا بالممر خالٍ، والليل قد انصرف، وعلى الأرض مرآةٌ صغيرة تعكس الغرفة التي لا أعرف كيف وصلتُ إليها. وفي عمق الصورة، خلف الطاولة، كانت المرأة جالسةً من جديد، تكتب رسالةً أخرى، وتنتظر.
لم أدرِ أكانت تنتظرني، أم كانت تنتظر شخصًا آخر يحمل وجهي.
انحنيتُ نحو المرآة الصغيرة، فرأيتُ ملامحي واضحةً، ساكنةً، كأن شيئًا لم يحدث. لكنني لم أطمئن؛ فقد كانت عيناي معلّقتين بشيءٍ خلف كتفي، شيءٍ لم يظهر في الصورة، وإن شعرتُ بأنفاسه تلامس عنقي.
وعلى سطح المرآة، حيث لا ينبغي للحروف أن تظهر، برزت جملةٌ واحدة، كأنها لم تُكتب، بل كانت كامنةً في الزجاج منذ زمنٍ لا أعرفه:
«لا تفتحيه في المرة القادمة… فقد لا تكونين أنتِ مَن يقف خلفه».
تراجعتُ، وسقط المفتاح من يدي.
وحين انحنيتُ لألتقطه، وجدتُ إلى جواره مفتاحًا آخر، مطابقًا له تمامًا، تتدلّى منه حلقةٌ نحاسية نُقش عليها اسمٌ لم أستطع قراءته.
لم أجرؤ على لمسه.
فقد سمعتُ في تلك اللحظة صوتًا يأتي من جهةٍ لا باب فيها:
«لقد انتهى دوركِ».
ثم انطفأ كل شيء.
وحين عاد الضوء، لم أجد المرآة، ولا المفتاح، ولا الغرفة.
وجدتُ نفسي أمام صفحةٍ بيضاء، وفي يدي قلمٌ أسود، وعلى طرف الصفحة عنوانٌ لم أتذكر أنني كتبته:
يا ويلتي!
أما السطر الأول، فكان ينتظرني.
لكنني لم أكتب.
كنتُ أسمع الطرقات الثلاث من جديد، وكان شيءٌ ما يبتسم في الجهة الأخرى من الصمت.
