الخميس ١٣ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

خمس دقائق فقط

كان الأسبوع حِملًا من رصاصٍ يجثم فوق الصدر. كل يومٍ يضيف إلى الروح بابًا من حديد، وإلى الظلّ ظلًّا جديدًا. صوت العالم مكتوم، وضوؤه أبيض كحدِّ سكين، والنفس يخرج من الصدر كأنه يتسلل من حفرةٍ لا منفذ لها.

منذ الصباح وأنا أجرّ جسدي خلفي كحِملٍ ثقيل. أتحرك بلا وعي، أجيب لأنهم ينتظرون جوابًا، وأبتسم لأن الوجه، حتى في أقصى تداعيه، يظل مطالبًا بشيءٍ من التهذيب.

في آخر الأسبوع لم أعد أشتهي شيئًا؛ لا طعامًا، ولا كلامًا، ولا حتى النوم. كنت أشتهي فقط أن أخلع جسدي كما يُخلع معطفٌ مبلل بالمطر، وأتركه على رصيفٍ بعيد، ثم أمضي إلى مكانٍ لا يسألني فيه أحد:

«ماذا أنجزت؟»

لكن العمل لا يرحم.

جاء النداء مقتضبًا كصفعة:

«اجتماع طارئ في القاعة الكبرى الآن، ومحاضرة بعده مباشرة.»

كتبت اعتذاري بأشد عبارات الرجاء، ثم أعدت صياغته بألطفها. وفي المرتين جاء الرد سريعًا وباردًا:

«الحضور إجباري.»

أغلقت الهاتف وحدقت في شاشته السوداء طويلًا، كأنني أنتظر منها أن تشعر بي.

لم تفعل.

ذهبت إلى القاعة وأنا لا أمشي بقدر ما أُساق. كان جزءٌ مني قد ذهب إلى النوم منذ الظهر، وترك لي الجسد كي يحضر ويوقّع، ثم يلحق به.

كانت القاعة أكبر مما عهدتها؛ وجوه شاحبة تحت ضوءٍ بارد، ومقاعد متراصة كأنها تنتظر أجسادًا لا أشخاصًا. وفي المنتصف شاشة موصولة بسماعات، يرتد صداها من الجدران إلى الأذن مباشرة.

جلست في آخر الصف، وأسندت ذقني إلى يدي.

بجانبي زميلٌ مال رأسه إلى كتفه وغرق في النوم. لم يوقظه أحد.

قلت لنفسي:

«سأقاوم... مجرد ساعة.»

بدأت المحاضرة.

ظهر على الشاشة شيخٌ خلفه لوحة كُتب عليها: «قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار». كان يقرأ بصوتٍ ضخم من ورقة، دون أن يرفع عينيه؛ يصف الجنة والنار بالنبرة نفسها التي يصف بها مصير تلميذٍ مهمل:

لمن معنا كذا وكذا... ولمن ضدنا كذا وكذا...

حاولت إبقاء عيني مفتوحتين. كانت الكلمات تتساقط فوق الرؤوس ثم تتلاشى، كأنها آتية من مكانٍ لا نملك إليه طريقًا.

كتبت جملة واحدة:

«كم تبدو الجنة بعيدةً عنا اليوم.»

ثم شعرت أن الجملة أثقل من أن أحتملها، فمزقت الورقة.

شربت ماءً باردًا خدش حنجرتي، وأسندت ظهري إلى الكرسي كأنه لوحٌ يسند جسدًا على وشك السقوط.

لكن المسافة بين الصوت وأذني أخذت تتسع.

صار الكلام نداءً بعيدًا لبحّارٍ تائه؛ يسمعه، ولا يملك قاربًا يصل به إليه.

ثم بدأت الأشياء تتفكك:

جدران...

شاشة...

وجوه...

صوت...

وثقل الجفن.

غاص الصوت ببطء...

ثم انطفأت القاعة.

حين فتحت عيني، لم أعرف كم مضى من الوقت.

كان الضوء شفافًا، بلا مصدر ولا ظل، والأرض لينة كغيمةٍ تعلمت كيف تحمل الأجساد.

خطوت، فلم أسمع لخطوتي أثرًا.

في الهواء رائحة مطرٍ لم يسقط بعد، وماءٍ لم يُشرب بعد.

مشيت.

وللمرة الأولى منذ زمن طويل، لم أكن ذاهبًا إلى مكان.

لا موعد أنتظره، ولا باب ينبغي أن أصل إليه، ولا أحد ينظر إلى ساعته.

لا هاتف.

لا أوراق.

لا شاشة.

ولا صوت يقول:

«أسرع... انتبه... أنجز.»

ثم رأيت ماءً مسكوبًا.

شربت.

ثم سريرًا مرفوعًا.

جلست.

لم يغص بي، ولم يطالبني بالنهوض.

بقيت هناك طويلًا.

أو هكذا شعرت.

كان الوقت في ذلك المكان شيئًا آخر؛ لا يمشي أمامي ولا يركض خلفي. كان ساكنًا إلى جواري.

ومن بعيد، كهمسٍ يتسرّب عبر الحلم، جاء صوت:

«هل تريد سريرًا أم ماءً؟»

لم أفكر في شيء.

أغمضت عيني فقط.

كان جسدي خفيفًا على نحوٍ لم أعرفه من قبل، كأنني للمرة الأولى لا أحمل نفسي.

لا عمل ينتظرني.

لا موعد.

لا رسالة.

لا سؤال عن الغد.

فقط سكون.

سكون واسع حتى خُيّل إليّ أنني لو بقيت هناك، فلن أفتقد شيئًا من العالم.

ثم تسللت إلى الحلم قطرة ماء تسقط في كوب.

لم تكن قطرة من ماء ذلك المكان.

كانت من الواقع.

شيئًا فشيئًا بدأ العالم يستعيدني.

شعرت بيدٍ خفيفة على كتفي.

فتحت عيني.

كانت يدٌ تمتد إليّ بكوب ماء.

وجاء صوت قريب، دافئ، بشري:

«أستاذ... استيقظ. انتهت المحاضرة من بدري. ناديتك ثلاث مرات.»

حدقت في الوجه لحظات.

لم أكن أعرف أيَّ العالمين أصدق.

تناولت الكوب وشربت.

ثم سألت:

«كم غبت؟»

قال:

«خمس دقائق.»

نظرت إلى الساعة.

كانت العقارب تتحرك ببرودها المعتاد.

خمس دقائق فقط.

لكنني كنت أشعر كأنني عدت من سفرٍ طويل.

نهضت.

سرنا نحو المخرج.

وحين دفعنا الباب الخارجي، ارتطم بنا ضوء الشمس دفعةً واحدة. كان الشارع يركض كعادته؛ سيارات تتزاحم، وأصوات تتقاطع، ووجوه تمضي مسرعةً إلى جهاتها.

لكنني، للمرة الأولى، لم أشعر بحاجةٍ إلى الركض معها.

قال لي:

«كنت تبدو كأنك في مكان بعيد جدًا.»

ابتسمت وقلت:

«كنت بعيدًا بالفعل... شكرًا لأنك أعدتني.»

خرجت.

رفعت يدي إلى كتفي، إلى الموضع نفسه الذي لمسته تلك اليد.

وتذكرت أن أحدًا ما انتبه إليّ.

العالم كما هو.

العمل كما هو.

والأيام التي أثقلت صدري لم تختفِ.

لكن أحدًا، ولو للحظة، رآني.

وصلت البيت.

أغلقت الباب خلفي، وتمددت دون أن أخلع حذائي.

أغمضت عيني.

وابتسمت.

نفس الابتسامة.

لكنني، للمرة الأولى منذ أيام، لم أشعر أنني مطالبٌ بأن أكون أقوى مما أستطيع.

خمس دقائق فقط...

لم يتغير العالم.

لكنني، حين عدت إليه، لم أعد كما كنت.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى