الإرث الثمين
سُئلتُ يومًا:
أأنت مع علي أم مع معاوية؟
فابتسمتُ، وقلت بهدوء:
«"أخشى أن يسرقنا هذا السؤال من سؤالٍ أشدَّ إلحاحًا: ماذا سنورث أبناءنا؟ وماذا سنفعل نحن بما ورثناه؟"»
ثم بدأتُ أحكي لهم عن صندوق الأحلام المؤجلة.
في بعض المدن لا يكبر الناس مع الأيام، بل يشيبون داخل حكاياتهم القديمة. يصبح الأمس لغتهم الأكثر حضورًا، ويغدو الحزن قطعةً من أثاث البيوت، حتى يبدو الحلم طائرًا يرفرف طويلًا، فلا يجد نافذةً يدخل منها.
هناك عاش رجلٌ اتخذ الصمت رداءً له. لم يكن صمته فراغًا، بل إصغاءً لما يهمس به الغد، بينما كان الجميع منشغلين بعدِّ خسارات الأمس.
وحين رحل، لم يترك سوى صندوقٍ خشبي قديم.
اجتمع الناس حوله، وفتحوه بلهفة... فإذا هو فارغ.
قال أحدهم:
"رحل ولم يترك شيئًا."
لكن بعض الصناديق لا تُصنع لحفظ ما مضى، بل لحراسة ما لم يأتِ بعد.
كان ممتلئًا بأحلامٍ لم تجد من يؤمن بها، وبطرقٍ لم يجرؤ أحد على سلوكها، وبغدٍ ظل يطرق الأبواب طويلًا، فلم يجد من يفتح له.
وهكذا هي بعض الأوطان؛ تمتلئ بالذكريات حتى تضيق بالحياة، وتحمل الماضي على كتفيها حتى تنسى أن لها قدمين تمشي بهما نحو المستقبل.
حين يصبح الألم ميراثًا
ليس أخطر ما يفعله الظلم أنه يخلّف جرحًا، بل قد يجعلنا نعتاد النظر إلى العالم من خلاله.
عندها تتحول الذاكرة من قنديلٍ يهدي الطريق إلى جدارٍ يحجب الأفق.
هناك من يحمل ألمه حتى لا يتكرر، وهناك من يحمله حتى لا ينتهي.
الأول يورث أبناءه بصيرةً، والثاني يورثهم معارك لم يختاروها.
وحين يصبح البكاء على الأمس مشروعًا دائمًا، يقف الغد طويلًا عند الباب... ثم يمضي.
العابرون نحو الضوء
في مدرسةٍ قديمة أنهكها الفقر، كان معلمٌ يدخل كل صباح إلى صفٍ بلا نوافذ. يمسح الغبار عن السبورة، ثم ينادي طفلًا يجلس في آخر الصف.
كان اسمه سالم.
كل يوم كان يرسم على الجدار المتشقق شمسًا كبيرة.
سأله المعلم يومًا:
"لماذا ترسم الشمس دائمًا؟"
رفع الطفل رأسه وقال:
"لأنها ستدخل بيتنا الجديد يومًا ما."
مرت الأعوام.
كبر سالم، ولم يغادر مدينته.
وفي صباحٍ هادئ، غرس شتلة ياسمين على الرصيف المكسور أمام مدرسته.
مر به شيخٌ وقال:
"ولماذا تتعب نفسك؟ ربما لن تجلس في ظلها."
ابتسم سالم وأجاب:
"لا أغرسها لأجلس في ظلها... أغرسها ليشمَّ أحدٌ عطرها بعد عشرين عامًا."
لعل الحضارات تبدأ بهذا النوع من البشر؛ أولئك الذين يعملون لغيرهم أكثر مما يعملون لأنفسهم.
فالأوطان لا يرفعها انتصارٌ عابر، وإنما يرفعها أناسٌ يختارون البناء حين يكون الهدم أسهل.
الإرث الثمين
المدن لا تموت بكثرة جراحها، بل حين تعجز عن تخيل صباحٍ جديد.
والذاكرة نعمةٌ إذا أنارت الطريق، وعبءٌ إذا تحولت هي إلى الطريق.
وليس المجد أن يرث الأبناء مقاعد الصراع، بل أن يرثوا أرضًا تتسع للجميع.
لكلٍّ منا صندوقه الخاص؛ يستطيع أن يملأه بالرماد، أو أن يملأه بالأحلام.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يشغلنا ليس:
من انتصر في معارك الأمس؟
بل:
ماذا سنترك لمن سيأتي بعدنا؟
قال سبحانه وتعالى:
«﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾»
وسيأتي يومٌ يفتح فيه أبناؤنا صناديقنا.
فليجدوا فيها أحلامًا لا أحقادًا، وبذورًا لا رمادًا، وجسورًا تعبر بهم إلى الغد.
ذلك هو الإرث الثمين.
