الاثنين ٢٥ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم أيمن فضل عودة

كلُّ عامٍ وأنتم بخير ...

رأيٌ في اللُّغة.. «16»

سألني أحد الأحبة قبل فترة: عند التهاني والمباركة في الأعياد والمناسبات المختلفة، وقولنا «كل عام وأنتم بخير»، أنقول: «كلُّ عام» برفع كلمة (كلُّ)، أو نقول (كلَّ عام) بنصبها؟ فوعدت الحبيب أن يأتيه مقالا في هذا الموضوع، وها قد آن أوانه.}}}

جدير بالذكر أن الصيغة التي لا خلاف في صوابها وفصاحتها هي «كلَّ عام أنتم بخير»، بنصب (كلَّ) على اعتباره ظرف زمان، وحذف الواو قبل (أنتم بخير). والخلاف دائرٌ حول العبارة عند إدراج الواو فيها (وأنتم بخير).

وفيها قلت: هذه المسألة وهذه العبارة كغيرها الكثير من التعابير اللُّغوية، لا يزال اللغط دائرا فيها، ويصطرع اللُّغويون في تصحيحها وتخطيئها. فصادف بعد أن تلقّيتُ السؤال، أنني شاهدت عبر وسائل الاتصال الاجتماعي أحد أعلام اللغة العربية وأساتذتها الأفاضل، يذهب إلى وجوب النصب في كلمة (كلّ) ولا يدع أي مجال لرفعها، فــلم يُبقِ ولم يذر لتوجيهها من أثر. ومن حججه في القضية الآية القرآنية الكريمة ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن 30)- ولا أدري متى وأين قيّدنا الله عز وجل، شرعًا ولغةً، بعدم الخروج عن أساليب القرآن الكريم اللُّغوية! لأجد بعده وعلى المنصة نفسها لغويا عزيزا آخر، يذهب في العبارة إلى جواز النصب والرفع في كلمة (كلّ) مع بعض التفصيل كما سيأتي.

وقد أعادني هذا التضارب إلى كل ما كنت ألحظه في كتب النحو واللغة من تضارب صارخ بين النحاة في كل موضوع، فهكذا كانت اللغة منذ نشأة علومها، محطّ لغط واختلاف يشهد عليه اختلاف المدارس النحوية وتشعبها عبر التاريخ، ولا يقتصر الأمر على هذا التشعب، فإنك لو فحصت لوجدت اختلاف الرأي بين علماء المدرسة الواحدة، لترى أن كلّا من المختلفين له رأيه ومنهجه وحججه فيما يذهب إليه. وفي كل هذا سيكون لنا بإذن الله مقالات مستقبلية.

ولعلّ ما يمكن أن يُسعف في الخلاص من هذه الفوضى، هو الابتعاد عن التزمت اللُّغوي، واستيعاب كل ما يمكن استيعابه من اللغة، مما يمكن أن نجد له توجيها لغويا، على حدّ قول ابن جنيّ العلّامة النحرير، حيث قال: «ليس ينبغي أن يُطْلَق على شيء له وجه في العربية قائم- وإن كان غيره أقوى منه- أنه غلط». (انظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها ج1 ص236).

وقد نهج مجمع اللغة العربية المصري- مجمع الخالدين- نهج ابن جني هذا منذ قرن من الزمان، ينظر في التعابير والألفاظ اللغوية والتراكيب والأساليب النحوية، مستنيرا بآراء ابن جنيّ، يركن معها إلى ركن شديد من اللغة، يُخرّج ويوجّه لنا الكثير مما قيل فيه أنه خطأ لغوي، باكتشافه ذلك الوجه اللغوي القائم المسوِِّغ لها، ليُخرْجَ لنا هذه التعابير من ظلمات التخطيء والتغليط، إلى نور الهداية والرشد اللّغوي، مثبتا صحتها وفصاحتها.

وقد كان التعبير «كل عام وأنتم بخير» من الأساليب التي بتَّ فيها- أو (بتّها) كما يحب أصحاب ألـ (قل ولا تقل) سماعه- مجمع الخالدين المصري، وقطع فيها بقول فصل منذ منتصف النصف الثاني للقرن الماضي، ومن مصيبتنا أننا لا زلنا ولا زال علماء اللغة بعد نصف قرن من ذلك القرار يتناقشون ويتخاصمون في صوابها وخطأها.

وما أقره مجمع اللغة المصري، هو جواز القول «كلُّ عام وأنتم بخير» برفع كلمة (كلُّ) على اعتبارها مبتدأ مرفوعا خبره مقدّر بكلمة (مقبلٌ)، والواو بعده واو الحال، وجملة (أنتم بخير) جملة حالية، ليكون التقدير: كلُّ عامٍ مقبلٌ وأنتم بخير.
وقد اعتمد المجمع في قراره هذا على بحث للأستاذ علي النجدي ناصف، عضو المجمع وخبيره، ذهب من خلاله إلى هذا التجويز بالتقدير المذكور، مضيفا إليه توجيهات أخرى جوّز من خلالها الرفع والنصب في كلمة (كلّ) مع الإبقاء على الواو في التعبير؛ وذلك على النحو التالي:

أولا: على اعتبار (كلُّ) فاعلا لفعل محذوف تقديره (يُقبلُ)، ليكون أصل الجملة: يُقبِل كلُّ عام وأنتم بخير.

ثانيا: على اعتبار (كلَّ) ظرف زمان منصوب بتقدير فعل (تحيون) قبل الجملة، ليكون الأصل: تحيون كلَّ عام وأنتم بخير. وفي التقديرين تكون جملة (وأنتم بخير) جملة حالية.

وسوّغ حذف الأفعال أو إضمارها عنده في هذه التقديرات، كثرة الحذف في اللغة العربية، ودلالة الحال والمقام عليه، بناء على باب عقده سيبويه في كتابه بعنوان: «ما يُضمَر فيه الفعل المستعمل إظهاره في غير الأمر والنهي» كما في قول الله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (البقرة 136) على تقدير: بل نتبعُ ملةَ إبراهيم.

3: اعتبار الواو في التعبير زائدة على مذهب الكوفيين والأخفش، ليكون ذكرها كعدمه مع اعتبار (كلَّ) ظرف زمان. فتكون «كلَّ عام وأنتم بخير» كقولنا: « كلَّ عام أنتم بخير». ومثيله قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (الزمر 74)، حيث زيدت فيها الواو على رأي الكوفيين.

4: وقد أضاف الأستاذ شوقي أمين توجيها آخر لرفع كلمة (كلُّ) بقوله: إنها تسير على أبسط القواعد النحوية، ففيها: (كلُّ عام) مبتدأ، (وأنتم) معطوفة عليه، و (بخير) خبر.

وعليه، فعند الأستاذ النجدي يجوز في التعبير: «كلُّ/كلَّ عام وأنتم بخير» رفعُ ونصب ُكلمة (كلّ) مع بقاء الواو.
وقد وجدتُني ميّالًا كلَّ الميل لموافقة الأستاذ النجدي في كل ما يقول، إذ رأيته قد ذهب إلى ما ذهب إليه من رأي، معزِّزا إياه بالحجج والبراهين الساطعة والأسباب اللغوية والمنطقية الناصعة، والتي لا أرى في الارتفاق والقياس عليها أمرا شاذا عن مذاهب النحاة، إذ سبق لي وأنِسْت بها وارتفقت عليها من قبلُ في سياقات لغوية أخرى، ووقفت على ما فيها من أسرار ونكات جُلَّى. وعلى الرغم من هذا وجدت بالاقتصار على ما جوّزه المجمع، وأخذَ به الأستاذ أحمد مختار عمر في معجم صوابه، والأستاذ إميل بديع يعقوب في معجم خطأه وصوابه، كفايةً للقارئ أن ينتفع به ويقتصر عليه. لنستدرك على المخطّئين ونقول:

استدراك:

قل: كلَّ عام أنتم بخير– بنصب (كلَّ) وحذف الواو- وقل:كلُّ عام وأنتم بخير- برفع (كلُّ) وذكر الواو- ولا خطأ ولا حرج!!

وليكن شعارنا دائما: يسّروا ولا تعسّروا، وسّعوا ولا تضيّقوا، بشّروا ولا تنفّروا؛ ففوق كلّ ذي علم عليم!!

* انظر لكل هذا: كتاب الألفاظ والأساليب، لمجمع اللغة المصري، ج1، (ص: 229-234)، ومعجم الصواب اللُّغوي، للأستاذ أحمد مختار، ج1، (ص: 622)، ومعجم الخطأ والصواب، للأستاذ إميل بديع يعقوب (ص: 235).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى