سعد علي.. قراءة نقدية في تجرته التشكيلية
لا تقف تجربة الفنان التشكيلي العراقي سعد علي عند حدود رسم الأشخاص أو تسجيل المشاهد، بل تتجاوز ذلك إلى بناء عوالم بصرية تتداخل فيها الحكاية بالرمز، والواقع بالخيال، والذاكرة بالموروث الحضاري. فاللوحة عنده ليست مساحة صامتة تتجاور فوقها الألوان والأشكال، وإنما فضاء سردي مفتوح، تتحرك داخله الشخصيات والإشارات والعناصر الزخرفية لتصنع حكاية تتعدد قراءاتها باختلاف المتلقي.
من هنا، فإن الاقتراب من أعمال سعد علي يتطلب النظر إليها بوصفها مشروعاً تشكيلياً متكاملاً، لا مجموعة من اللوحات المنفصلة؛ إذ تتكرر بعض الموضوعات والرموز في تجربته، لكنها لا تعود بالضرورة بالمعنى نفسه، بل تتجدد عبر اختلاف التكوينات والعلاقات اللونية وتوزيع الشخصيات داخل السطح التصويري.
تحتل الحكاية مكانة أساسية في عالم سعد علي. وتبدو الصلة واضحة بين تجربته وبين المخيال الحكائي الذي يستدعي أجواء (ألف ليلة وليلة)، بما يتضمنه من عجائبية ومفارقات ومشاهد تتجاوز حدود الواقع المباشر. غير أن الفنان لا يكتفي بتحويل الحكاية إلى موضوع مرسوم، بل يعيد تشكيلها من خلال لغة بصرية خاصة، تصبح فيها الأجساد والوجوه والأشياء عناصر لبناء سرد تشكيلي.
في هذا السياق، لا تعمل اللوحة وفق تسلسل حكائي تقليدي يبدأ من نقطة وينتهي عند أخرى، وإنما تتيح للمشاهد التنقل بين تفاصيلها واكتشاف علاقات جديدة بينها. وقد تحمل الشخصية الواحدة أكثر من دلالة، فيما يتحول العنصر الزخرفي أو المعماري إلى جزء من الحكاية، لا مجرد خلفية محايدة لها. وهكذا يقترب العمل من بنية الحكاية الشعبية التي تسمح بالتداخل بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات، لكنه يحتفظ في الوقت نفسه باستقلاله بوصفه عملاً بصرياً، له إيقاعه وتوازنه وعلاقاته التشكيلية.
تتكرر الوجوه والأجساد في أعمال سعد علي بوصفها عناصر محورية في التعبير. لكنها لا تُقدم دائماً باعتبارها محاكاة دقيقة للجسد الواقعي، بل تخضع لتحويرات في النسب والأطوال والخطوط، تجعلها أقرب إلى أشكال تعبيرية تحمل انفعالات ورغبات وقلقاً إنسانياً. ويكتسب الوجه أهمية خاصة، ولا سيما العينان اللتان تتحولان في عدد من الأعمال إلى مركز بصري يستقطب انتباه المتلقي. فالعين هنا ليست تفصيلاً تشريحياً فحسب، بل وسيلة لإنتاج معنى يتعلق بالنظر والانكشاف والرغبة في التواصل. ومن خلال اتساع العين أو اختزال الملامح أو إطالة الجسد، يبتعد الفنان عن الواقعية الحرفية ليمنح شخصياته حضوراً يتأرجح بين الإنسان الواقعي والشخصية الحلمية. ولا ينبغي فهم هذا التحوير بوصفه خروجاً عن قواعد الرسم وحدها، بل باعتباره اختياراً جمالياً يضع التعبير في مقدمة الأولويات. فالشكل لا يقاس هنا بمدى مطابقته للجسد الطبيعي، وإنما بقدرته على حمل الانفعال وإقامة علاقة مؤثرة مع المتلقي.
كما تحتل المرأة والحب مساحة بارزة في عالم سعد علي التشكيلي. وتظهر الشخصيات في كثير من أعماله ضمن علاقات جسدية وعاطفية تتسم بالتقارب والتداخل، بما يجعل الجسد وسيلة للتعبير عن الحميمية والتواصل الإنساني. لكن اختزال هذه الأعمال في بعدها الحسي وحده لا ينصفها؛ فالجسد في الفن يمكن أن يكون مجالاً للتعبير عن الرغبة والحرية والهشاشة والبحث عن الآخر. وتبدو شخصيات سعد علي، في قراءتها ضمن سياق مشروعه العام، جزءاً من عالم يسعى إلى الاحتفاء بالحياة ومقاومة القسوة عبر الحلم والمودة واللذة الجمالية. وتبرز أهمية هذه المعالجة في الطريقة التي يربط بها الفنان بين الجسد ومحيطه، وبين الشخصيات والعناصر الرمزية المحيطة بها. فالأزهار والطيور والقلوب والأشياء الصغيرة، حين تحضر داخل التكوين، لا تؤدي وظيفة تزيينية فقط، بل تسهم في بناء مناخ وجداني تتداخل فيه الرغبة مع الأمل، والحميمية مع الحلم.
من أبرز المفاتيح التي تساعد على قراءة تجربة سعد علي حضوره اللافت للأبواب والخشب القديم، ولا سيما ضمن مشروع (أبواب الفرج والمحبة). فالباب في هذا السياق ليس مجرد عنصر معماري، بل يحمل إمكانات رمزية متعددة؛ إنه حد بين الداخل والخارج، وبين الانغلاق والانفتاح، وبين ما هو مخفي وما يمكن اكتشافه. أما الخشب العتيق، بما يحمله من آثار الاستعمال والتقادم والخدوش والأقفال، فيضيف إلى اللوحة زمناً مادياً محسوساً. فالسطح لا يبدو دائماً صفحة جديدة تستقبل الرسم، وإنما مادة لها تاريخ سابق على دخولها العمل الفني. ومن هنا تنشأ علاقة بين ذاكرة الشيء وذاكرة الإنسان، وبين الأثر المادي للحياة والحكايات التي يمكن أن يستدعيها. وتتجلى خصوصية هذه التجربة في الجمع بين المادة المستهلكة جمالياً، في نظر الاستخدام اليومي، وبين إعادة اكتشافها داخل العمل الفني. فما كان باباً أو لوحاً خشبياً مهملاً يصبح جزءاً من بناء بصري يستعيد قيمة الأشياء التي ترك الزمن علاماته عليها. وبهذا المعنى، لا يفتح الفنان باباً مادياً فحسب، بل يفتح مجالاً للتأويل؛ فقد يشير الباب إلى الأمل أو الانتظار أو العبور أو استعادة ما ضاع، بينما يظل معناه مفتوحاً أمام خبرة المشاهد وخياله.
اللون والخط.. إيقاع اللوحة الداخلي
لا تنفصل قوة هذه الأعمال عن الطريقة التي تتفاعل بها الألوان والخطوط مع الأشكال. فالخط في تجربة سعد علي يؤدي وظيفة بنائية وتعبيرية في آن واحد؛ إذ يحدد الأجساد، ويربط العناصر، ويوجه حركة العين داخل اللوحة. وقد يمنح الخط المتدفق أو المحدد للشخصية طابعاً حيوياً، فيما يسهم تكرار بعض المفردات في إيجاد إيقاع بصري يصل أجزاء التكوين بعضها ببعض.
أما اللون، فلا يُقرأ بوصفه زينة مضافة إلى الشكل، بل باعتباره عنصراً يشارك في صياغة المزاج العام للعمل. وتتفاوت المعالجات اللونية بين أعماله، كما تختلف طبيعة السطح بحسب المادة والتقنية المستخدمة، من الرسم الزيتي إلى التجارب المنفذة على الخشب وغيره من الوسائط. ومن المهم هنا ألا نختزل تجربة الفنان في لوحة لونية واحدة أو أسلوب ثابت؛ فالمشروع الفني الطويل يتيح التحول والتجريب، وتبقى المقارنة بين الأعمال المختلفة ضرورة لفهم كيفية تطور علاقات اللون والخط والتكوين عبر الزمن.
وتجربة سعد علي تتصل بمرجعيات ثقافية متعددة، تتقدمها الحكاية الشرقية والذاكرة الرافدينية والعناصر الزخرفية والمعمارية ذات الصلة بالفنون العربية والإسلامية. كما تتجاور في تجربته إشارات يمكن قراءتها في ضوء احتكاكه بتقاليد الفن الأوروبي. غير أن قيمة هذا التداخل لا تكمن في تعداد المؤثرات التي مر بها الفنان، وإنما في الطريقة التي يعيد بها صياغتها داخل عالمه الخاص. فالموروث لا يظهر بالضرورة بوصفه استعادة حرفية للماضي، بل يمكن أن يتحول إلى مادة بصرية يعاد ترتيبها وتغيير وظائفها، لتصبح جزءاً من خطاب معاصر. وهنا يبرز السؤال النقدي: كيف يستطيع الفنان أن يستحضر الذاكرة الحضارية من دون أن تتحول اللوحة إلى مجرد توثيق تراثي؟ إن الإجابة تكمن في استقلال البناء التشكيلي وقدرته على إنتاج معانٍ جديدة؛ فالعنصر التاريخي لا يكتسب قيمته الفنية من قدمه وحده، بل من علاقته ببقية العناصر ومن دوره في تكوين الرؤية العامة للعمل.
تستمد أعمال سعد علي جانباً من جاذبيتها من قدرتها على الجمع بين المتعة البصرية والإيحاء الحكائي. فالمتلقي يستطيع أن يتفاعل مع جمال الألوان وتداخل الخطوط والأشكال، لكنه يجد نفسه أيضاً أمام عالم يطرح أسئلة تتصل بالحب والرغبة والحرية والذاكرة والأمل. ومع ذلك، فإن القراءة النقدية لا تكتمل بالاحتفاء بهذه الموضوعات وحدها؛ إذ ينبغي أن تتوقف أيضاً عند مدى نجاح كل عمل في تحقيق التوازن بين كثافة الرموز ووحدة التكوين، وبين الحكاية والبناء البصري، وبين العناصر الزخرفية وحضور الشخصيات. فهذه الأسئلة هي التي تنقل الحديث عن اللوحة من الانطباع العام إلى النقد الفني القائم على تحليل أدوات التعبير.
إن مشروع سعد علي يستحق أن يُقرأ من خلال أعماله وتنوع وسائطه ومراحله، وأن تُدرس لوحاته دراسة مقارنة تكشف ما يتكرر فيها وما يتغير، وكيف تتطور علاقته بالشكل واللون والمادة والرمز. في المحصلة، لا يقدم سعد علي الحكاية لكي يكتفي المتلقي بمعرفة أحداثها، بل يضعه أمام عالم بصري يدعوه إلى التأمل وإعادة اكتشاف الأشياء. ففي لوحاته يمكن للباب أن يصبح وعداً بالفرج، وللجسد أن يتحول إلى لغة للعاطفة، وللعين أن تكون نافذة على الداخل الإنساني، وللخشب القديم أن يستعيد حياة جديدة. وهكذا تتشكل خصوصية تجربته في المسافة التي يقيمها بين الواقع والخيال، وبين الذاكرة والابتكار، وبين الحكاية بوصفها موروثاً والحكاية بوصفها عملاً فنياً يتجدد مع كل مشاهدة.
