طريق الثلج
الطريق ممتد كجرحٍ أبيض لا يلتئم، تتناثر فوقه الرياح كأنها تعوي على ذاكرةٍ ترفض النسيان. لا شيء هنا سوى الصمت… صمت كثيف يضغط على الصدر مثل كفٍّ خفية، يهمس بأسماءٍ قديمة قبل أن يبتلع صداها.
سار يحيى بخطواتٍ متثاقلة، يغرس قدميه في الثلج كمن يحاول إثبات وجوده في عالمٍ يمحوه ببطء. كل خطوة تترك أثرًا سرعان ما تمحوه الريح، وكأن الدرب يأبى الاحتفاظ بذكراه. خلفه، اختفت القرية منذ ساعات، ذابت في الضباب مثل وعودٍ بالية. ولم يبقَ منها سوى مشهدٍ شاحب يستقر في ذاكرته: نافذة مضاءة، صوت امرأة، واسمٌ عجز عن النطق به منذ زمن.
في جيبه، استقرت الرسالة.
ظلّ يتجنب فتحها، كأن تأجيل القراءة يمنحه فرصةً أخرى للنجاة من محتواها. ومع ذلك، كان يشعر بثقلها يتضاعف في كل خطوة، حتى بدت له صخرةً صغيرة تستقر قرب قلبه، لا ورقةً مطوية في جيبه. أدرك أن الحروف قد تكون أشد قسوةً من البرد، وأن الحقيقة، حين تُقرأ، يصعب إعادتها إلى طيّ النسيان.
وقف برهة، ورفع بصره نحو السماء.
بدت رمادية، بلا ملامح، كوجهٍ فقد تعبيره. تنهد وقال بصوتٍ مخنوق:
"هل كنتُ أهرب… أم كنتُ أبحث؟"
ابتلع الفراغ صوته.
ثم استأنف رحلته. أخذ البرد يتسلل إلى أعماقه، متجاوزًا جسده إلى أماكن أكثر هشاشةً في ذاكرته. راحت الصور تتكسر تباعًا: وجهها، عيناها حين سألته بصمت، كفّه التي عجزت عن التمسك بها، وظهره وهو يبتعد دون أن يلتفت.
"لماذا صمتّ؟"
عاد إليه صوتها متأخرًا.
شدّ معطفه حول جسده، كأن النسيج قادر على حمايته من سؤالٍ ظلّ يطارده أكثر مما يطارده الصقيع.
عند منعطفٍ حاد، أبصر شيئًا. بدأ الأمر بقعةً داكنة وسط البياض، ثم أخذت تتضح حتى استحالت هيئة رجلٍ يجلس فوق صخرةٍ غطّاها الثلج. توقف يحيى في مكانه، وأطال النظر إليه. كان الرجل ساكنًا إلى حدٍّ جعله يبدو جزءًا من المشهد، كأن الثلج نسي أن يدفنه.
دنا يحيى بحذر، وقال:
"هل الطريق طويل بعد؟"
رفع الرجل رأسه ببطء. عيناه كانتا عميقتين، غارقتين، كأنهما لا تنظران إليه، بل تنفذان إلى شيءٍ يقف خلفه.
قال بصوتٍ هادئ:
"الدرب ليس طويلًا… غير أنه لا ينتهي."
تلقّى يحيى العبارة كحجرٍ هوى في قاع بئرٍ سحيق.
جلس قربه بلا سببٍ معلوم. ساد صمتٌ ثقيل، قبل أن يقطع يحيى سكونه متسائلًا:
"وهل يصل أحد؟"
ارتسمت على وجه الرجل ابتسامةٌ واهنة، وقال:
"الجميع يصلون… سوى أنهم لا يبلغون المكان ذاته."
ارتعش يحيى. تداخلت في رأسه المعاني، وغاب عنه اليقين، لكنه شعر بأن الرجل يتحدث عن شيءٍ يتجاوز الطريق والثلج والمسافات.
مدّ كفّه إلى جيبه، واستخرج الرسالة أخيرًا. راحت أصابعه المرتجفة تتحسس طيّاتها، ثم شرع في فتحها ببطء، كأن الورقة تقاوم انكشاف سرّها.
قرأ:
"إن بلغت هنا… فهذا يعني أنك أقلعت عن الهرب.
الحقيقة ليست في نهاية الدرب، بل في اللحظة التي عزمتَ فيها على المسير.
ما خلّفته وراءك… ما كان سوى ذاتك."
توقف عند العبارة الأخيرة، ثم مرّ بعينيه على الكلمات من جديد. شعر كأن شرخًا عميقًا انفتح في داخله، أو أن حجابًا ظلّ يحجب عنه وجهه الحقيقي قد انزاح أخيرًا.
رفع رأسه بعجلة:
"من كتب هذا؟"
لكن الرجل توارى.
تلاشى.
لم يبقَ في المكان سوى الثلج والصخرة، وآثار أقدامٍ أخذت الريح تذرّي حدودها.
وقف يحيى ببطء. تأمل الدرب الممتد أمامه، ثم التفت إلى الوراء، حيث الفراغ. للمرة الأولى، لم يشعر بأنه ممزقٌ بين مكانين؛ فقد بدا له أن المسافة التي قطعها كانت تقوده إلى أعماقه، لا إلى جهةٍ بعينها.
عاد صوتها… لكن هذه المرة جاء مختلفًا، خاليًا من العتاب، أقرب إلى رجاءٍ أخير:
"ابقَ."
أطبق جفنيه.
ثم انحنى وجلس فوق الثلج. وضع الرسالة أمامه، وأرخى يديه إلى جانبيه، تاركًا الريح تعبث بالورقة حتى انطوت من تلقاء نفسها. بدا المشهد كأن الرحلة بلغت نهايتها دون أن يخطو خطوته الأخيرة.
مرّ الوقت… أو ربما توقف الزمن.
بدأ الثلج يتراكم فوق كتفيه، وعلى شعره وكفّيه. ظلّ في مكانه ساكنًا، وقد غادره الإحساس المعتاد بالبرد. كان ثمة دفء غريب يتصاعد من أعماقه، هادئًا وخافتًا، كأن شيئًا طال انتظاره قد وجد أخيرًا موضعه.
وكأن شيئًا قد استقر.
في الأفق البعيد، تغيرت هيئة الدرب. فقد استقامته المألوفة، وانحنت أطرافه في مساراتٍ متداخلة، حتى بدا كأنه يدور حول نقطةٍ خفية، يعود إليها كلما توهّم العابر أنه ابتعد عنها.
وكأن السير ما كان يومًا إلى الأمام بل إلى الداخل.
وحين مرّ عابرٌ بعد حين، لمح فوق الثلج هيئةً غامضة في المكان الذي قامت عليه الصخرة. اقترب قليلًا، فلم يجد سوى أثرٍ لرجلٍ جلس هنا يومًا، ثم ابتلعه البياض.
أما الدرب…
فبقي.
يمتد.
ينتظر.
ولا ينقضي.
