فرحين بما آتاهم
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
آية قصيرة، لكنها تفتح في القلب نافذة واسعة على معنى لا ننتبه إليه كثيرًا: أن الفرح ليس دائمًا فيما ننتظره، بل قد يكون فيما بين أيدينا ونحن لا نراه.
نحن نعيش أحيانًا أسرى لما لم يحدث.
ننتظر أمنية تأخرت، وبابًا لم يُفتح، وشيئًا ظنناه حقًا لنا ثم مضى بعيدًا. ننظر إلى ما ينقصنا طويلًا، حتى ننسى أن حولنا نعمًا كثيرة جاءت إلينا دون موعد، واستقرت في حياتنا حتى اعتدنا وجودها.
نعتاد الصحة فننسى أنها نعمة، ونعتاد البيت فننسى دفأه، ونعتاد الأبناء فننسى أن وجودهم في حياتنا رزق لا يُشترى.
نعتاد صوتًا نسمعه كل صباح، ويدًا تمتد إلينا، وصديقًا يسأل عنا، وسترًا يحيط بأيامنا، ثم لا نلتفت إلى كل ذلك إلا حين يغيب.
كأن الإنسان لا يعرف قيمة بعض النعم إلا عندما تصبح ذكرى.
لكن الآية تعلّمنا شيئًا آخر:
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
لم تقل: فرحين بكل ما تمنّوه.
بل بما آتاهُم الله.
وهنا يكمن سرّ الطمأنينة.
أن تعرف أن ما جاءك لم يأتِ عبثًا، وأن ما تأخر ليس بالضرورة حرمانًا، وأن الأقدار لا تُقاس كلها باللحظة التي نعيشها.
قد نحزن لأن بابًا أُغلق، ثم نكتشف بعد سنوات أن خلفه طريقًا لم يكن لنا.
وقد نبكي على شيء فقدناه، ثم نفهم أن الله كان يهيئ لنا شيئًا آخر، أكثر اتساعًا من قدرتنا على التخيل.
وليس الرضا أن يتوقف الإنسان عن الحلم.
بل أن يحلم، ويسعى، ويطرق الأبواب، ثم لا يجعل قلبه معلقًا بباب واحد.
فالفرح الحقيقي ليس أن تكون حياتك خالية من النقص؛ فهذا ليس من طبيعة الدنيا.
الفرح أن ترى النور رغم وجود الظلال.
أن تقول:
الحمد لله
وأنت لا تملك كل الإجابات.
أن تبتسم لما بقي، بدل أن تقضي عمرك في البكاء على ما رحل.
أن تعرف أن في حياتك أشياء لو تأملتها قليلًا لقلت:
كم كنت غنيًا وأنا أظن نفسي فقيرًا!
ربما تكون النعمة في شخص يجلس إلى جوارك، أو في ابن يطمئن قلبك، أو في أم ما زالت دعوتها تسبق خطواتك، أو في صديق لا يتغير، أو في فرصة جاءت بعد انتظار طويل.
وربما تكون النعمة في أمر ظننته عاديًا جدًا، حتى يأتي يوم تعرف فيه أن العادي كان استثنائيًا.
لهذا، لا تجعل عينيك معلقتين بما ينقصك فقط.
انظر إلى ما آتاك الله.
عدّ نعمك كما تعدّ أحلامك.
وافرح بما بين يديك، دون أن تتوقف عن السعي إلى ما ترجوه.
فالحياة لا تمنحنا كل ما نريد، لكنها تمنحنا دائمًا شيئًا يستحق أن نحمد الله عليه.
وفي نهاية كل يوم، ربما لا نحتاج إلى سؤال طويل عن الأشياء التي لم تأتِ.
يكفينا أن نسأل:
كم نعمة مرت بي اليوم ولم أنتبه إليها؟
عندها فقط، قد نكتشف أن الفرح لم يكن بعيدًا عنا.
كان يسكن تفاصيلنا الصغيرة، ويطرق أبواب قلوبنا كل صباح، ونحن منشغلون بالنظر إلى الأبواب التي لم تُفتح.
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
فما أجمل أن نعيش العمر بقلوبٍ ترى الفضل قبل الفقد، والنور قبل العتمة، والعطاء قبل السؤال.
وما أجمل أن نصل إلى تلك الطمأنينة التي تقول:
لم آخذ كل ما تمنيت،
لكنني أخذت من فضل الله ما يكفيني لأحمده…
وأفرح به.
