السبت ١٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

مسارح الجوارح

لم تكن المساحات مقياسا للأمكنة في اعتقاده، بل بما تتركه الأمكنة من مسافات لا تُرى. وأن الانسان لا يسعه العيش في مكان واحد، بل يتوزع على شتى الفضاءات، البعض منها تسكنها الذاكرة ولا تطأه الأقدام، والبعض الآخر تبلغه الجوارح وحدها وتستوطنه المخاوف.

كل مساء يجلس على كرسيه في المقهى نفسه، إلى الطاولة المطلة على النافذة، يراقب المارة بوجه هادئ، ويبدو لمن يراه رجلًا عاديًا لا يحمل من هموم الدنيا أكثر مما تحمله الوجوه العابرة. قلبه الذي يتربع على مقعد فارغ منذ سنوات لم يكن أحد يعلم به، وكلما جلس في ذلك المكان، ترك أمامه مساحة لشخص لم يعد يأتي.

كان ذلك المقعد مخصصًا لأخيه الأصغر، الذي غادر الحياة في حادث سير قبل سبع سنوات، تاركًا وراءه أمًّا لم تستطع استيعاب الفقد، وأبًا مات بعده بأشهر كأن قلبه قرر أن يلحق به، وأخًا أكبر ظلّ حيًا في نظر الناس، لكنه لم يغادر لحظة الحادث في داخله.

في ذلك اليوم، كانا في طريق العودة من رحلة قصيرة. تشاجرا بسبب أمر تافه، ثم نزل الأخ الأصغر من السيارة غاضبًا، وعبر الطريق مسرعًا قبل أن تصدمه شاحنة.... لم تكن بينهما كلمات أخيرة تليق بالفراق؛ كانت آخر جملة قالها له أخوه: أنت لا تفهمني أبدًا.

ومنذ ذلك الحين، صار الرجل يعيش عمرًا ظاهرًا يمضي إلى الأمام، وعمرًا خفيًا يعود كل ليلة إلى لحظة الفقد تلك.
كان عقله يحاكمه كلما تذكر الحادث، وقلبه يبحث عن فرصة مستحيلة للاعتذار، وعيناه تستوقفهما وجوه الشباب الذين يشبهون أخاه في مشيتهم أو ضحكاتهم. أما يداه، فكانتا ترتجفان أحيانًا حين يسمع صوت فرامل مفاجئًا في الشارع، كأنهما ما زالتا تحاولان الإمساك بجسد أفلت منهما إلى الأبد.

لم يكن يروي حكايته لأحد. حتى زوجته لم تعرف منها سوى شذرات متناثرة، إذ كان يعتقد أن بعض الأحزان تفقد شيئًا من حقيقتها حين تتحول إلى كلمات، وأن الآخرين مهما أخلصوا في المواساة، لن يستطيعوا العبور إلى المكان الذي يحمل الألم.

وفي مساء شتوي، بينما كان جالسًا في المقهى، سمع صوت ارتطام قوي في الخارج، أعقبه صراخ امرأة.

نهض مذعورًا، واندفع نحو الشارع.

كان فتىً في السابعة عشرة ملقىً قرب دراجته، وقد تجمع حوله بعض المارة. انحنى الرجل عليه، ووضع يده تحت رأسه، ثم أخذ يردد بصوت مرتجف:

لا تغمض عينيك يا بني، أرجوك... انظر إليّ.

فتح الفتى عينيه بصعوبة، وتمتم بأنه لا يستطيع التنفس. طلب الرجل الإسعاف، وظل يضغط على يده، يحدثه عن أشياء صغيرة لا معنى لها، عن المدرسة، وعن أمه التي تنتظره، وعن المستقبل الذي لم يره بعد.

وحين وصلت سيارة الإسعاف، كان الفتى قد استعاد شيئًا من وعيه. حمله المسعفون، وقبل أن يغلقوا الباب، قبض على يد الرجل وسأله: هل سأموت؟

تجمد الرجل لحظة. رأى وجه أخيه مكان وجه الفتى، وسمع صوته القديم يخرج من ذاكرته: أنت لا تفهمني أبدًا
لكنه هذه المرة لم يترك اللحظة تمر. فقد أمسك يد الفتى بقوة وقال: لا أعرف ما الذي سيحدث، لكنني أعرف أن أمك تنتظرك، وأن عليك أن تعود إليها. لا تجعلها تعيش ما عشته أنا.

انطلقت سيارة الإسعاف، وبقي الرجل في الشارع، يراقبها حتى اختفت. ثم جلس على الرصيف، وانفجر في بكاء لم يسمح لنفسه به منذ سبع سنوات.

لم يكن يبكي الفتى وحده، ولا أخاه وحده، بل كان يبكي الرجل الذي ظلّ يحاكم نفسه سرًا، ويعيش كل يوم في مسرح لا يتغير فيه المشهد الأخير.

في تلك الليلة وللمرة الأولى، لم يستعد مشاهد الشجار بينه وبين أخيه، ولم يتوقف عند الجملة الأخيرة ذاتها. بل حاول أن يتذكر ما سبقها؛ ضحكتهما في السيارة، والأغنية التي اختلفا حولها، والساندويتش الذي اقتسماه، والطريقة التي كان أخوه ينام بها ورأسه مسند إلى النافذة.

اكتشف أن ذاكرته، طوال سبع سنوات، كانت تعرض عليه المشهد الأخير وحده، كأنها تعاقبه بتكراره، بينما كانت حياة أخيه أوسع من موته، وأجمل من لحظة لم يستطع تغييرها.

في اليوم التالي، ذهب إلى المستشفى للاطمئنان على الفتى. وجده قد تجاوز مرحلة الخطر، وكانت أمه تجلس بجانبه، تمسك يده وتبكي بصمت.

حين رآه الفتى، ابتسم وقال: لقد عدت إلى أمي.

لم يستطع الرجل الإجابة. اكتفى بأن ربّت على كتفه، ثم غادر الغرفة، تاركًا دموعه تنساب في الممر.

لم يُعِد ذلك الفتى أخاه، ولم يمحُ الندم الذي سكنه طويلًا، لكنه أعاده إلى شيء من الحياة. أدرك أن الإنسان قد يعجز عن إنقاذ من يحب، لكنه يستطيع أحيانًا أن يمنح غريبًا فرصة للعودة إلى من يحبونه.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يذهب إلى المقهى ليجلس أمام المقعد الفارغ. صار يمرّ به أحيانًا، يتذكر أخاه، ثم يمضي.

ظلّ قلبه يسكن الماضي، لكن قدميه تعلمتا المضي قدما، وعقله لم يعد يصرّ على إعادة محاكمة ما انتهى، فيما بدأت عيناه تريان وجوهًا جديدة لا بوصفها أشباحًا تشبه الغائبين، بل أرواحًا لها حكاياتها الخاصة.

وفهم أخيرًا أن الجوارح ليست مجرد أعضاء تحملنا في الحياة، بل مسارح خفية تتنازعها أزمنة مختلفة؛ فالعين قد تبصر الحاضر فيما ترى الذاكرة الماضي، والقلب قد يعيش فراقًا انتهى منذ سنوات، والعقل قد يعيد بناء عالم كامل انطلاقًا من كلمة واحدة، بينما يواصل الجسد أداء دوره أمام الآخرين كأن شيئًا لم يحدث.

وأن أقسى أنواع الوحدة ليست غياب الناس عنك، بل بقائك وحدك في مكان لا يستطيع أحد بلوغه، حتى أولئك الذين يحبونك.

فلكل إنسان مسرحه الذي لا تُفتح أبوابه إلا لجوارحه؛ فيه يعيد المشاهد التي لم يستطع تغييرها، ويمنح الغائبين أدوارًا لا تنتهي، ويخوض معارك لا يسمع العالم ضجيجها.

ولعل الرحمة الحقيقية أن نتذكر، ونحن نحكم على هدوء أحدهم أو ابتسامته، أننا لا نرى سوى خشبة المسرح، أما ما يجري خلف الستار، فقد يكون عمرًا كاملًا من الألم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى