الأربعاء ٣٠ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٩
بقلم سليمان عبدالعظيم

مواقع مشبوهة

من الأمور اللافتة للنظر في عالمنا العربي ظهور العديد من المواقع التي فرضت نفسها بوصفها صحفاً إلكترونية تنطق بلسان حال المنطقة وتوجهاتها الجديدة. ومن الغريب في الأمر أن نشأة هذه المواقع ارتبطت بالعديد من الادعاءات، مثل كونها الأولى أو الأسبق أو الأصدق أو الأكثر جرأة على فتح الملفات الساخنة أو النبش في المقدسات أو انتهاك حرمات الأموات أو الأقدر على تحقيق الحداثة العربية المزعومة أو التغييرات الليبرالية الموهومة.

ولم تكن نشأة هذه المواقع بعيدة عن صراع الأيديولوجيات الحاد في العالم العربي، بل كانت في الأغلب الأعم تعبيرا كاشفة عن عمق هذه الصراعات، ومدى تردي الأوضاع العربية، وتصاعد حدة الكراهية التي تتشح برداء المحبة والعقلانية والتفاهم.

فهذه المواقع تكشف في حد ذاتها عن مدى التدهور الحاد الذي وصلت إليه الأوضاع العربية المعاصرة، كما تكشف أيضاً عن الأيادي الخفية الممولة لتلك المواقع والداعمة لها من أجل تنفيذ أجندات وتوجهات بعينها. فالعديد من هذه المواقع يتم تمويله بهبات رسمية محافظة من بعض الدول العربية التي تدعي الفضيلة وتجاهر بالدفاع عنها.

ومن الأمور البالغة الغرابة في العالم العربي أن بعض هذه المواقع يقبض من بعض الجهات وينقلب عليها في الوقت نفسه، وكأنه يقبض بيد ويتعمد الانتقاص والإهانة والنيل من المانحين باليد الأخرى، وهي مسألة في غاية الغرابة لا تحدث في أي مكان في العالم، أن يدفع البعض من أجل الحصول على الإهانة والتشهير.

وعلى ما يبدو أن هذه المواقع تقبض من بعض الأطراف العربية لتنفذ أجندات غربية، وإلا كيف نفسر هذا الأمر الذي يقبل من خلاله المانحون بالإساءة لهم والتشهير بهم، إلا إذا كانوا لا يفهمون ما يحدث حولهم، ولا يفهمون طبيعة المشروعات الإعلامية والصحافية المختلفة التي يمولونها ويساهمون في تنفيذها وتدعيمها؟! ماذا تطرح هذه المواقع من موضوعات وقضايا؟ وما هي الملامح المميزة لها؟ وهل هناك قواسم مشتركة فيما بينها؟

لا يمكن لأي مراقب محايد لهذه النوعية من المواقع الإلكترونية الصحافية الجديدة، إلا أن يلاحظ السمات المشتركة التالية التي تكشف عن طبيعة توجهاتها وأهدافها ومشروعاتها الخفية والعلنية على السواء:

1 ـ يرتبط تحقيق الحداثة الموهومة لدى هذه المواقع بصدمة «الحديث عن الجنس والرغبة المريضة في طرحه».

وفي هذا السياق، لا يتم ذلك من خلال المناقشة الحقيقية لهذا الموضوع المهم في حياة الشعوب الإنسانية، لكنه يتم بشكل دعائي صادم غير مؤطر معرفيا وعلميا ودينيا وأخلاقيا. وتبدو هذه المواقع أقرب للمواقع الإباحية من حيث طبيعة الصور المرفقة بالموقع، والتي تركز غالبا على صور المغنيات الجدد وتفاصيل أجسادهن.

ولا يتعلق ذلك فقط بصور المغنيات، بل بتعقب حياتهن الخاصة وفضائحهن المختلفة. وتزايد هذه المواقع على بعضها البعض من حيث كم العري المرتبط بصفحاتها. فقد كنا نتصور بعض المواقع، التي تدعي أنها الأولى إلكترونيا في العالم العربي، بوصفها الراعي الأول للعري في المنطقة، والمتلصص الأهم على فضائح المغنيات والعاهرات في العالم العربي، فإذا بنا نفاجأ بمواقع جديدة تنافسها على مساحة العري وتسبقها في كم الفضائح.

ويتسم الطرح الجنسي لهذه المواقع بالفجور الصحافي، إذا كان ما يتم الإفصاح عنه يمت بصلة لعالم الصحافة. وهذا التقييم لا يرتبط بأية محددات أخلاقية بقدر ما يكشف عن طبيعة تلك الكتابة الصادمة التي تتماهى بالجنس وتتحول بشكل متعمد إلى نوع من الإثارة والتنفيس. فالعرض الدائم لقضايا الشذوذ الجنسي عربيا وعالميا، والحديث عن الانحرافات الجنسية المختلفة، والترويج لبعض الدول العربية فنيا وإعلاميا، يثير الكثير من علامات الاستفهام حول هذه المواقع والأهداف المشبوهة للقائمين عليها والممولين لها.

2 ـ وارتباطا مع الإثارة الجنسية فإن هذه المواقع تحتفي بتلك النوعية من «الكتابات الصادمة للمقدسات والعادات والتقاليد». فالدين مثل الجنس بالنسبة للكثير من هذه المواقع، يتم التعامل معه من خلال التحرش به وجرح مشاعر الملايين من الأتباع، تذرعا بالتحديث والتغيير والعبث بالتراث.

وفي كل يوم تستكتب هذه المواقع العديد من الكتاب، سواء من خلال أسمائهم الحقيقية أو من خلال أسمائهم الحركية، من أجل العبث بالمقدسات وطرح أطر تحليلية جديدة تعبر عن رغبة مسبقة في تعذيب القراء والنيل منهم عبر الكتابة الصادمة للمشاعر العامة.

فكما يمثل الطرح الجنسي نيلا من القراء في مجتمع متعطش للجنس ويجهل الكثير عنه، يبدو الطرح الديني أيضاً نيلا من المؤمنين الطيبين، وربما الساذجين، في مجتمع يستحوذ فيه الدين على مساحة كبيرة من عقول البشر ويهيمن على مشاعرهم وتوجهاتهم. وفي العديد من هذه المواقع نجد العري على اليمين والدين على اليسار، وكأن الحديث عن هذا لا يتم بدون تناول ذاك.

3 ـ لا ينفصل ما سبق عن «عقلية الفضيحة» التي تنطوي عليها تلك المواقع. فمن الواضح أن تلك المواقع قد تأسست في ظل حالة ترد غير مسبوقة في العالم العربي، وتصاعد بعض القوى المدعومة برأس المال وبالأيديولوجيات المحافظة، ولو على مستوى الشكل والادعاء.

وهو الأمر الذي أوصل هذه القوى لتمويل هذه المواقع تنفيذا لبعض الإملاءات الغربية من ناحية، ورغبة في استقطاب بعض القوى المأجورة من ناحية أخرى، فلم تكتف تلك المواقع بالصدمات الجنسية والدينية، بل دأبت على العروض الفضائحية على كل مستوياتها السياسية والاقتصادية والفكرية. ولم تجد هذه المواقع أية أخبار صالحة للنشر سوى النيل من العالم العربي وكل التحولات الحادثة فيه.

ومن اللافت للنظر أن هذه المواقع، حتى أشهرها ادعاء لليبرالية واستقطابا للبعض من أبناء الأقليات المغرضين، وضعت لنفسها خطوطا حمراء لا تستطيع أن تتجاوزها على مستوى بعض النظم العربية التي لا تختلف عن تلك التي دأبت على مهاجمتها ليل نهار. إن عقلية الفضيحة المؤسسة لهذه المواقع عقلية تآمرية بالأساس هدفها فضح البعض دون البعض الآخر، والنيل منه تنفيذا لرغبة وأهواء الدافعين والممولين.

4 ـ وتقوم هذه المواقع على «نشر ثقافة التهييج والكراهية»، فالمراقب لردود القراء، ناهيك عن المقالات والتحليلات المعروضة، يكتشف كم العداء والكراهية المرتبط بالقراء أنفسهم، والتي تساعد عليه هذه المواقع وتدعمه. وترتبط ثقافة التهييج والكراهية بالعديد من التعليقات الدينية المنفرة التي تكشف عن كم الحقد والكراهية الموجه للأديان، وبشكل خاص الإسلام.

كما تكشف من ناحية أخرى عن شيوع ثقافة التنميط في العالم العربي وتردي العلاقات بين شعوبه المختلفة، وهو أمر في رأيي يحتاج لعلاج جذري لأسبابه الحقيقية المختلفة، بعيدا عما تقوم به هذه المواقع من بث لثقافة الفرقة والكراهية. لن تكف هذه المواقع المشبوهة عن الظهور في عالمنا العربي، ولن تنتهي مآربها المعلنة أو الخفية. وعلينا أن نؤسس للعديد من المواقع الجديدة المستقلة الأكثر التزاما بقضايا المجتمع، والأكثر بعدا عن ثقافة التهييج والإثارة وبث الفرقة والشقاق.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى