الأربعاء ٢٦ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

هل ما زلنا نعرف بعضنا؟

في إحدى مدارس صنعاء العتيقة، كان مقعدٌ خشبيٌّ قديم يحتضن ضحكات ثلاثة صبية.

الأول حمل في عينيه حالمية تعز، والثاني اقتبس من صخر صعدة صلابته، والثالث خبّأ بين كفّيه رطوبة البحر وملح عدن.

كنا نغزل من اختلاف ألسنتنا لحنًا واحدًا، ونطلق ضحكًا طفوليًا نقيًا لا يشبه إلا المطر الأول على سقوف الصفيح.

لم تكن المدن يومئذٍ جراحًا نازفة على جبين الوطن، ولا الأسماء لافتات اتهام تسبق أصحابها. كنا نركض خلف كرة تائهة، ونقتسم كسرة حلوى، ونختلف على قواعد لعبة، ثم يأتي الليل فيغسل غبار الخصام قبل أن تغفو الشمس.

لم نختر ألواننا، ولا لهجاتنا، ولا خرائطنا. ولم نكن نعلم بعد كيف بوسع السياسة أن تحوّل الصديق إلى خصم، قبل أن يتعثر اللسان بتحية السلام.

ثم دارت الدوائر.

كبرنا... وكبر ذلك المقعد حتى استوحش.

اتسعت المسافة بين المدن، واستطالت الظلال التي لم نرها في زمن البراءة. استيقظ جيلٌ كامل على دويّ الفجيعة، قبل أن يتعلم كيف يصغي إلى أغنية الحياة.

جيلٌ تعلّم كيف يفلت من ناب اليوم بأقلّ الخدوش، لا كيف يحلم بالغد.

بعض أطفاله عرفوا أسماء البنادق قبل حروف الهجاء، وبعضهم ذاق مرارة النزوح قبل أن يعرف دفء الاستقرار.

وحين يترعرع الطفل في مهد العاصفة، لا تنتهي الحرب بانتهاء صوت الرصاص؛ بل تتسلل إلى الداخل، تختبئ في الذاكرة، وتسكن الروح، وتلوّن نظرة الإنسان إلى وجه لا يشبه وجهه.

وهنا يكمن الخراب الذي لا تصوّره العدسات.

الركام ترفعه السواعد، والبيوت تُبنى لها سقوف جديدة، أما الفكرة الخبيثة التي تهمس في أذن الصبي:

«احذر زميلك؛ لأنه وُلد خلف جبل أو وراء شاطئ».

فتلك تحتاج عمرًا كاملًا كي تُقتلع من جذورها.

إن الحروب لا تهطل دائمًا كالصواعق، بل تنبت أحيانًا في صمت، كالعشب السام بين شقوق الشعارات.

حكاية مسمومة، وصورة مشوّهة، ووشاية تُعاد مرة بعد أخرى، حتى يتجرّد الإنسان من إنسانيته، ويتحوّل من إنسان إلى صورة، ومن صورة إلى شبح.

فيتسع السرد الكاذب، فيغدو التنوع عيبًا، والجماعة سجنًا، والمنطقة جريمة.

وحين يتسرّب هذا الوباء من المنابر إلى البيوت، ومن البيوت إلى المدارس، يرث الصغار معارك لم يشهدوا ولادتها، ويحملون خوفًا لم يصنعوه.

وفي غرفة واحدة... انهارت الخرافة

تأخذني الذاكرة إلى غرف السكن الجامعي.

أتكئ على الجدار، عن يميني فتى من المحويت، وعن يساري آخر من شبوة.

دخلنا الغرفة وعلى أكتافنا أختام جاهزة؛ لم نرسمها بأيدينا، بل وجدناها معلّقة على أبوابنا.

لكن العِشرة الأليفة فعلت ما عجزت عنه الخطب.

اجتمعنا حول جمرة قهوة يتصاعد منها الدفء، وتقاسمنا قلق الامتحان، وضحكنا من صرامة أستاذ عابر، وسهرنا في ليلة شتوية طويلة، وقلوبنا تخفق على إيقاع واحد.

وفي تلك الليلة تقشّرت الأقنعة.

لم يكن أحدنا وحشًا كما صُوّر لنا.

كان هناك إنسان فحسب:

يخشى العثرة، ويغازل الحلم، ويشتاق إلى أمه، وتشرق على وجهه ابتسامة عند نكتة صادقة.

كانت الحياة، في بساطتها، أصدق بكثير من التماثيل التي نحتها الساسة.

لذلك لا تنتهي الحروب بتوقيع الهدنة.

قد يصمت الرصاص، لكن صداه يظل يرنّ في لغتنا:

في الارتياب من هيئة غريبة، والريبة من لهجة أخرى، والحذر من اسم يذكّرنا بما حُكي لنا عنه.

وحين يرتدي الأبناء دروع خوف الآباء، تتجمد المصالحة؛ لا لأننا نحب الخصام، بل لأننا نسينا كيف نتخيل الآخر خارج القالب الذي سُجن فيه.

لكن اليمن لم يكن يومًا لونًا واحدًا.

كان قوس قزح مرسومًا على ظهر جبل، وفي امتداد سهل، وعلى ساحل، وفي وادٍ.

في الأسواق القديمة، كان الجبلي يودع رزقه أمانة في يد التاجر الساحلي.

وفي المدارس، كان ابن تعز يتكئ على كتف ابن صنعاء، وابن حضرموت يقاسم ابن صعدة رغيفه.

وفي الأعراس، كانت الجغرافيا تذوب في إيقاع واحد؛ يلتقي القادم من الجبل بالآتية من الساحل، فتقصر المسافة بينهما إلى خطوة في رقصة.

هكذا كانت الحياة تفرك أكفّنا ببعضها، دون أن تسأل عن أصل اليد.

واليوم نحن أحوج ما نكون إلى تلك الفطرة الأولى:

أن نرى الإنسان قبل الاسم،
والوجه قبل الخريطة،
والحكاية قبل الحكم.

فالمحافظات لم تتعادَ يومًا؛ نحن من نرشّ أحقادنا على ترابها.

الجبال لا تضمر للبحار، والهضاب لا تحقد على السهول؛ نحن من نمنح الطبيعة قسوتنا، ثم ننسبها إليها.

ولعل أولى خطوات الشفاء لا تحتاج قاعات مكيفة ولا بيانات ختامية.

تحتاج إلى مقعد خشبي على قارعة الطريق، يجلس عليه غريبان ويتحدثان عن صغار الأشياء:

عن مسلسل كرتون كانا ينتظران حلقته، وعن حنان الأم، وعن رهبة الدرس الأول، وعن خوف مفاجئ في الليل.

هناك، في تفاصيلنا المشتركة، يبدأ الجدار بالتصدع.

لا تزهر الأوطان فوق أنقاض الانتصارات الزائفة.

تزهر حين نتعلم حمل اختلافنا كباقة زهر، لا كحزمة خناجر.

حين يقول الطفل ضاحكًا:

«هذا صديقي».

دون أن يتعثر لسانه بالسؤال:

«من أي مدينة أنت؟»

أعود بفكري أحيانًا إلى ذلك المقعد البسيط، وأتأمل الأطفال الثلاثة وقد صاروا رجالًا.

ربما غدا أحدهم طبيبًا يضمّد الجراح، والثاني معلّمًا يبذر الحروف، والثالث يحمل حقيبته في منافي الأرض بحثًا عن مرفأ.

ربما فرّقتهم رياح الحياة.

لكنني أراهم يعودون إليه.

يجلسون في صمت قصير...

ثم تشرق الضحكة القديمة ذاتها؛

ضحكتهم قبل أن يعلّمهم العالم كيف يخاف الأخ من أخيه.

وأتساءل في سري:

هل ما زلنا نعرف بعضنا؟

لعل الجواب عن هذا السؤال هو الخيط الأخير المتبقي في ثوب اليمن.

فالوطن ليس رقعة على الخريطة.

الوطن هو الإنسان الذي نتأمله في عتمة الخوف، ورغم كل ما قيل لنا عنه، نمد إليه أيدينا.

نصافحه.

نبتسم له.

فنكتشف أننا لم نكن يومًا غرباء.

ربما فقط أضللنا الطريق إلى بعضنا.

وحين نعثر عليه، سنفهم ما عرفه أولئك الأطفال قبل أن يحفظوا أسماء المدن:

أنا أنت، وأنت هو، وهو أنا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى