الثلاثاء ١٦ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم ادور مولود

وَجَعُ أَمْسْناوْ

عاد أَمْسْناوْ إلى واحته، بعد أن قضى ربع قرن في طلب العلم الظاهر والباطن، واغترف الحكمة والطب من منابيعها.
ووجد في انتظاره أهلَ بلدته يستقبلونه بكل سرور وحبور، فوضعوا الحبق والغنباز على رأسه، وأقاموا الأفراح، وذبحوا الذبائح، وأشعلوا النيران في باحة إساييس، وبدأ الرقص والغناء وتباري الشعراء في غواية الكلمات.

كانت ليلةً حافلةً، وعُرسًا أسطوريًّا؛ رقص النخيل، وسهرت الطيور تُزقزق وترفرف فوق سماء الواحة، حتى الرياح فرحت بقدومه المبارك، بقدوم حكمة جمعها خلال خمسٍ وعشرين سنة.

بعد أن استراح من سفره الطويل بين عائلته وفي أحضان زوجته التي غاب عنها، قرر أن يُنشئ بيتًا للحكمة والطب في بلدته، تقديرًا لأهلها. فيسّروا له الصعاب وساعدوه على التشييد، فأثلج ذلك صدورَهم، لأن واحتهم ستصبح مركزًا ذائع الصيت في صناعة الطب وفنون الحكمة.

بعد أن استقر في مركزه الجديد الذي يستقبل فيه المرضى من آفاق متعددة، يصف لهم الوصفات، ويشفي الأبكمَ والأعمى والأعرج والأبرص، ويجرّب الأعشاب الطبية والتمائم السحرية، أصبحت له شهرة كبيرة في سائر بلاد ليبيا، ووصل صيته حتى إلى معلّمه أبقراط والكاهن الأعظم ببيت الحياة.

في يوم من الأيام، عند نهاية فصل الربيع، جاءه شابٌّ قوي البنية، أديمُ اللون، ذو أنف أفطس وعينين واسعتين كعيون الفرس، كان رشيقًا نافرًا من الشهوات، يُدعى إيدَر، وهو ابن شيخٍ حصيف بلغ من الكبر عتيًّا، أخذ عنه زاد العارفين.

فقال له أمسناو: ما سبب مجيئك إليّ؟ هل أنت عابر سبيل أم طالب شفاء، رغم أن العافية تجري في دمائك كمجرى الماء في العيون؟

فقال إيدر: أنا طالب شفاء، دبّ في نفسي مرضٌ لا أعرف كيف أعالجه.

فسأله: هل هو مرضٌ أصاب الجسد أم النفس؟

فقال له: كلاهما أيها الطبيب.

فبدأ أمسناو يفحص إيدر، مستهلًّا بعينيه وجسده الذي لم تمسّه الأسقام قط. وبدأ يقرأ عليه بعض الطلاسم لطرد الأرواح الشريرة، لكن دون نتيجة تُذكر. فأصابت الحيرةُ طبيبَنا، فسأل نفسه: هل إيدر سقيم فعلًا، أم يريد أن يجرّبه؟

فقال له: ممّ تشكو بالضبط؟

فردّ: بالضبط، لم يعد النوم يجد طريقًا إلى عينيّ، وقلبي يؤلمني، ورأسي أصبح كجلمود صخر فوق جسدي، أعاني في صمت أيها الطبيب.

فقال له: ما سبب هذا الضعف الذي ألمّ بك؟

فقال: إنه قلبي المملوء بعشق ماسيليا، الصبيةُ التي فتحت جرحًا غائرًا في فؤادي؛ إنها قدري العاثر الذي لم أجد له شفاءً.
فقال له: لمَ لا تتقدم إليها وتخبرها بما يعجّ به صدرك؟

فأجاب: آه، لو كان الأمر كذلك لكلّفتُ الكواكبَ والنجوم وعددَ الحصى والرمال بإخبارها وإقناعها.

فقال له: عليك بتوضيح الأمر أكثر، ما الذي يمنعك؟

فنبس إيدر بكلمات وهو جالس القرفصاء، واضعًا يديه فوق رأسه المثقَل بالهموم:

: إنها تُعرض عنّي بسبب زهدي في الحياة وعبادتي للروح السامية، النور الذي ينير عالمنا ويحمي البلاد والعباد.

أما هي فما زالت تعتقد أن الطبول هي محرّكة الوجود، وبها يتفاعل الجسد مع النفس العليا. وهي من كاهنات معبد الطبول، ترقص بجسدها الأخّاذ ذي الأرداف البارزة والصدر الثابت كالرمان، وتغني مساء كل يوم على إيقاعها، وتُخبر الناس عن مستقبل حياتهم ومصائرهم. إنها موقدٌ يمشي على رجلين، يُشعل سعير الوَله في كل رائٍ.

أليس هذا جهلًا أيها الطبيب؟ أليس التنبؤ بمستقبل الناس من شأن الروح السامية المتجلية في الشمس؟

فقال له: أنا لا أشغل نفسي كثيرًا بهذه الأمور، لكني أريد أن أساعدك على الخروج من مأزقك. فما العيب في معتقدها؟

ألستم من لون ونفس ونسل واحد؟ ألا تجمعكم هذه الواحة البهية ذات النخل والعنب؟

قال إيدر:

لقد افتُتنت بجسدها وروحها المرحة، لكن أسرار الوجود التي تعلمتها من أبي تمنعني من التقرب إليها، رغم أنها راودتني ذات يوم في حقلنا، وأخبرني صوتُ طبلها أن الروح التي لا تُعلي الجسد لن تُقدّس السماء ولن تنسجم مع روح الكون.

وبقيت هذه الجملة كمسمار يخترق جسدي، جاهدتُ لنسيانها دون جدوى.

فابحث لي عن ترياق قبل أن ينتشر هذا السمّ الزعاف في جسدي.

فوقف أمسناو حائرًا يتمشى داخل الحجرة التي يستقبل فيها مرضاه، يتذكر ما تعلّمه من اليونان وبلاد الرافدين ومصر وحتى علاجات الصينيين التي أخذها عن زملاء له في بيت الحياة بمصر، ولم يجد شيئًا ينفع به إيدر. فبدأ العرق يتصبب من وجهه، ولم يعد قادرًا على الوقوف لشدة ذهوله.

فسأل نفسه: هل أنا حقًّا أنا؟ هل أفنيت عمري في الأسفار ومصاعب الطريق وأهوال البحار، دون أن أكتشف ترياقًا لسمّ العشق والاختلاف الوحشي؟

وعندما رآه إيدر على هذه الحال سأله: هل أخذت الطب فعلًا من مورده؟ أم أنك لست إلا من المدّعين؟
فنطق أمسناو وهو مضطرب:

يا إيدر، لقد جلتُ في بلادنا طولًا وعرضًا وأنا في مقتبل العمر، أنظر إلى النجوم حينًا، وأجرّب السحر ومنفعة الأعشاب أحيانًا أخرى.

وعند بلوغي الثالثة والعشرين من العمر، عبرتُ البحر العظيم تاركًا زوجتي التي لم أشبع من رقّتها، متجهًا شمالًا وكلّي أملٌ في معانقة البومة، والنوم في أحضان الإلهة أثينة، ووضع إكليل الزيتون على رأسي.

وعندما وصلت إلى جزيرة كوس التي كانت مقصدي، وجدت مدرستها دون عناء، لأنها النجم الذي يضيء لياليها الدامسة.

التقيت بأبقراط، فسألني عن موطني الأصلي وغايتي. فأجبته بأنني قادمٌ من الجنوب أسعى إلى تعلم الطب اليوناني.

ففرح بذلك لأنني أول الليبيين الذين قدموا إلى اليونان لاكتساب حكمتها، واستفسر مني قائلًا: هل لك دراية بصناعة الطب؟ فأجبت: لقد أخذتُ كل فنون هذا العلم في بلادي، من جبر الكسور وتوليد النساء واستخراج البلاسم من الأعشاب والعلاج بالسحر الوقائي.

فردّ عليّ: نحن لم نعد نداوي بالسحر، فقد اكتشفنا مناهج سريرية والتفسير الطبيعي للأمراض، ستتعلمها مع الوقت.
بعد أن أمضيتُ ثماني سنوات بالكمال والتمام، قررت الرحيل عن جزيرة أبقراط بعد أن استوعبت كل ما وصلوا إليه في ذاك العصر.

واتجهتُ شرقًا حيث بلاد الرافدين التي كان شعبها من أولى الشعوب التي دوّنت الطب. فتعلّمت تقاليد الطب المعتمد على الأدوية والعلاجات العملية، وتعلّمت طقوس طرد الأرواح الشريرة.

بعد أن أتممت ما جئتُ من أجله، سلكتُ سبيل الشرق متوخيًا الوصول إلى مصر عبر الشام.

وعندما وصلتُ إليها، أبهرني تشابه حركة العباد وألوانهم الأدمية القريبة من السواد مع شعب بلادي.

دخلتُ بيت الحياة (بر-عنخ) في معبد سايس، وهي مؤسسة لتعلّم الطب وأحوال الكواكب والنجوم، بناءٌ فخم عليه رسومات وكتابات بديعة تحكي عبقرية الإنسان المصري.

تعرّفت على كاهنها الأعظم فاستقبلني كما تستقبل الفلاةُ أول الغيث، لأن من سماتهم تبجيل شدّاد الآفاق الباحثين عن الحكمة.

اختلطتُ مع طلاب العلم في هذه المنارة التي تُضيء هذا العصر، القادمين من أماكن شتى: اليونانيين والنوبيين والبدو والصينيين...

بعد زهاء تسع سنوات طويتُها كلمح البصر في هذا المعبد متعلّمًا الطب بكل تخصصاته، توصّلت إلى قناعة مفادها أن الطب المصري هو المنبع، ومنه تعلّم اليونانيون الذين يُعتقد أنهم أمهر حكماء صناعة التداوي في ذاك العصر.

وحصلت على درجة كبير الكهنة وحافظ النصوص المقدسة، وهي أسمى درجة في ذاك الأوان. ووضع الكاهن الأعظم على رأسي تاجًا مصنوعًا من الذهب المصفّى على هيئة رأس طائر أبي منجل، رمز الإله تحوت. وقال أمام جمع من الكهنة والطلاب والحكماء:

باسم تحوت حافظ الأسرار ومنطلق الحياة ومنتهاها، نُعلن منح الحكيم الليبي الغربي أمسناو المقام الذهبي في كل تخصصات الطب، سواء اللدُنّي أو الطبيعي.

فودّع إيدرَ بعد أن اعتذر منه، إذ لم يجد وصفة لدائه الزاحف. وهذا ما أشعل النيران في رأسه؛ كيف أفنى عمره بين دفتَي الكتب وروائح الأعشاب وطقوس السحر، دون أن يجد خلاصًا للعاشقين، ولا علمًا يُترجم به قلبين متنافرين؟

فذهب إلى بيته وبدأ يفكر في نفسه ومعها. وعند الصباح التالي خرج مودّعًا زوجته، متجهًا جنوب بلاده حيث الصحراء الكبرى وما وراءها، التي لا يوجد فيها معلّم يعلم، ولا بَرديّةٌ تُقرأ، ولا حكمة مقيّدة. وفي طريقه سمع إيقاع طبل خفيف يتصاعد ممزوجًا برائحة الصندل من ناحية معبد الطبول، فسأل نفسه: هل تعرف ماسيليا ما لا تعرفه الكتب؟ ثم واصل سبيله إلى الفلاة عسى أن يجد بلسمًا لجرحه الغائر.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى