على عتبة البرزخ
أسير في يوم شديد القيظ، في الفلاة، باحثا عن نصف حقيقتي التائه، منطلقا من واحة نون العظيم، متجها إلى الشرق، وكل جوارحي تتنفس الشوق، للقاء حَتْحور إلهة الهوى والدلال.
صادفت شيخا في طريقي، يبلغ من العمر قَرنا، أو يزيد بقليل، في صومعة اتخذها مسكنا. لا يملك سوى قِرْبَة ماء، وبِضعَ ثمرات.
سألني عن ظروف مجيئي، وعن مقصدي، فأجبته بكل تقدير وإجلال. سكن إليّ، كما أنه يعرفني من قبل. ربما لأنه جرب التَيه في القِفار، أو يشم فيّ ريح شبابه، الموْشوم في تجاعيد وجهه، وذاكرته.
سألته: أين أجد حتحور؟ فتوقف برهة يفكر ويبتسم في آن.
ألم تجد شيئا آخر تبحث عنه؟
أليست حتحور إلهة الزينة والفجور؟
لن أفيدك بشيء أيها الشاب الباحث عن متع الدنيا، وفقدان العليا. عليك بالبحث عن أمثالك، المسافرين على متن الأشواق، والورود الذابلة. أما أنا فقد تركت زينة الحياة، وأرقص على أنغام نهج الرحيل، فليس لي من المتاع، إلا ما ترى.
نظرت إلى عينيه الجاحظتين، برأفة وحسرة، وسألت نفسي:
هل يعرف هذا الشيخ فعلا، مقام حتحور؟
لماذا عزل الناس؟
هل شرب أصناف القهر والعذاب؟
هل اتخذ درب التصوف مذهبا؟
فقلت في نفسي لابد أن أسأله.
فقلت له: لمَ اتخذت هذا الركن الخالي مأوى لك؟
فأجاب: لأنني تبرّمت من الدهماء من أمثالك.
فقلت: حسنا أيها الشيخ، ولكن عليك أن تعرف قبل أن أغادر، أنني لست باحثا عن المجون، ولا أسباب الرفاه. بل منقبا عن شفاء ذاتي، التي مزقتها عواصف الصحراء، وأوجاع الظمأ، وعن شمس الشموس التي تسكن لب حتحور، فدلني عليها إن استطعت، أو دعني أقصد مصيري.
فوقف الشيخ بخفةٍ، كأنه صبي في مقتبل العمر. فَنَبس بكلمات تمزج بين التعاطف والجفاء، أنت تعيش في شقاء. لكن عليك أن تدرك يا بني أن لقاء حتحور هدف يصعب اصطياده، رغم أنها تقيم في كل مكان وآن، بل وتسكننا أحيانا، إنها بلا لف ولا دوران، تستوطن البرزخ، حيث وادي الخلود، ذو الماء الفرات الفضي، الذي يوجد في طرف من أطراف هذه البيداء.
بدأت أفكر في كلام الشيخ: أهو حقيقة أم خيال، فقاطع خلوتي مع نفسي.
فقال: كل ولادة جديدة تحتاج إلى أضحية، إنصرف فلم أعد قادرا على النظر في وجهك المتألم.
اتجهت شرقا دون أن ألتفت إليه، وكلي عزيمة للوصول إلى مبتغاي. وبدأ وابل من الأسئلة يسقط في رأسي.
هل يوجد هذا الوادي فعلا؟
هل حتحور تتقن فن رتق الجروح المتعفة؟
هل النظر في عنقها البعيد مدى القرط يشفي كل مكلوم؟
دخلت إلى أَجَمة، في طريقي كثيرة العشب، والحيوانات منها الأسود والفهود والضباع والأفاعي، وأصناف الحشرات السامة، لم تجرأ على التقرب مني، رغم أنني لا أملك ما أدافع به عن نفسي إلا إرادتي القوية، التي طردت حتى الخوف الذي يسكنني دائما، عند رؤية وحوش الغاب. وتعجبت من ذلك فلم أجد تفسيرا، إلا الهبةَ التي اكتسبتها من معاشرة الصالحين في واحتنا.
سمعت هديل الحمام، وزقزقة العصافير، في أفق يساري حيث آكمة تزدحم فيها الورود، من أشكال وألوان شتى، فصعدت إليها فوجدت الوادي الذي أقصده، والشمس على وشك المغيب.
فصرخت بفم يملؤه الحبور، أين أنتِ يا حتحور؟ أين أنتِ يا بلسم الجراح؟ هل أنت هنا؟ لا أريد سوى أن أكلمك عن الماضي الذي انقضى، والمستقبل الذي سيأتي، عن شدة القيظ، وبرودة أناملي.
أين أنت؟
فسمعت صوتا رقيقا خفيفا، نابع من النهر، فأنا هنا، وهناك، وفيك، وحيث أنت.
فأدخل إلى الوادِ إن كنت صادقا، فاتجهت إليه دون تردد، والعرق يتصبب من جسدي النحيف، وعندما وضعت رجلي اليمنى فيه، أحسست بها تحترق من فرط حرارة مائه. وأصابتني دوخةً، كالتي تصيب من على وشك السبات الأبدي. وأدركت أن عبوره يعني الفناء، فتذكرت الشيخ حين تكلم عن التضحية.
فرجعتُ أدراجي ليلا، قاصدا صومعته، لأغترف من حكمته وتجربته، ولم أجده.
فسألت نفسي هل غرب كشمس الشموس؟
أم عرج إلى السماء؟
أم غار في الأرض؟
فهبّ ريح لطيف يحمل صوته، قائلا: نمْ مِلء الجفون، فمرحبا بك في عالم البرزخ.
