الاثنين ٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٦
بقلم محمود سلامة الهايشة

رغبة.. حين يصبح التردد معركة بين القلب والعقل

قراءة في قصة «رغبة» للقاصة عبير حافظ

في المسافة الفاصلة بين الرغبة والرفض، وبين ما يتمناه القلب وما يخشاه العقل، تضعنا الكاتبة عبير حافظ أمام حكاية إنسانية شديدة الخصوصية في قصتها القصيرة «رغبة»، المنشورة بجريدة صوت الوفد، العدد (1001)، سبتمبر 2026، ص13. حكاية تبدأ من مكتب عمل، وتنتهي عند مرآة، لكنها في حقيقتها رحلة داخل النفس البشرية، حيث تتصارع المشاعر مع الحسابات، ويتحول موقف عابر إلى اختبار حقيقي للذات.

تنسج الكاتبة حكايتها من تفاصيل يومية بسيطة؛ لقاء بين زميلين، نظرة تحمل شيئًا من الغموض، ابتسامة صغيرة، ثم رسالة تتضمن دعوة إلى العشاء. غير أن بساطة الحدث الخارجي تخفي وراءها عالمًا داخليًّا مزدحمًا بالأسئلة. فالبطلة لا تتوقف عند كلمات طارق بقدر ما تنشغل بما وراءها، وتعيد قراءة الرسالة مرات، وكأنها تبحث بين حروفها عن إجابة لسؤال لم تجرؤ على طرحه.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في النص؛ إذ تنجح عبير حافظ في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى إشارات نفسية، وتمنح الصمت والنظرات والرسائل قدرة على التعبير تتجاوز الكلام المباشر. فالمعركة الحقيقية لا تدور بين الرجل والمرأة، وإنما داخل المرأة نفسها؛ بين رغبتها في خوض تجربة جديدة وخوفها من تبعاتها.

وقد جاء السرد بضمير المتكلم اختيارًا موفقًا، لأنه يضع القارئ مباشرة داخل وعي البطلة، ويجعله شريكًا في ارتباكها وتأويلاتها. أما طارق، فيظل شخصية ملتبسة، نعرفه من خلال انعكاسه في عين البطلة، لا من خلال معرفة مباشرة بنواياه. وهذا الغموض يضيف إلى الحكاية مساحة من التشويق والتأويل.

وتتحرك القصة بين المكتب والبيت والمرآة، في توظيف مكاني يحمل دلالات تتجاوز حدود الجغرافيا. فالمكتب هو نقطة البداية، والبيت فضاء المواجهة مع الذات، أما المرآة فتمثل لحظة المكاشفة؛ حين تقف البطلة أمام صورتها لتكتشف أن القضية لم تعد مجرد دعوة إلى العشاء، بل أصبحت مواجهة مع قيود صنعتها بنفسها.

وتبدو اللغة بسيطة وقريبة من نبض الحياة اليومية، فيما يضفي الحوار بالعامية المصرية عفوية وواقعية على الشخصيات. كما توظف الكاتبة الحوار الداخلي بفاعلية، فأسئلة البطلة ومراجعاتها المتكررة تكشفان عن اضطرابها أكثر مما تكشفه الأوصاف المباشرة.

أما العنوان «رغبة»، فيحمل دلالة تتجاوز الانجذاب العاطفي؛ فهو يشير إلى الرغبة في اكتشاف المجهول، والتحرر من الخوف، ومنح الذات فرصة جديدة. وتأتي النهاية مفتوحة عند لحظة اتخاذ القرار، دون أن تكشف لنا الكاتبة ما ستسفر عنه المغامرة. وكأنها تريد أن تقول إن الانتصار الحقيقي ليس بالضرورة في الوصول إلى الآخر، وإنما في القدرة على مواجهة الذات والتحرر من أسر التردد.

وربما كان النص سيزداد إحكامًا لو اختُزل بعض التكرار في تصوير الحيرة، ومُنحت شخصية طارق ملمحًا إضافيًّا يكشف جانبًا من تكوينها، كما كانت العبارة الختامية بحاجة إلى مزيد من الوضوح الدلالي. ومع ذلك، تظل للقصة قدرتها على التقاط لحظة نفسية مألوفة وتقديمها في قالب سردي جذاب.

إن «رغبة» ليست حكاية عن موعد مؤجل أو دعوة عشاء، بل عن إنسان يقف أمام احتمال جديد، ويكتشف أن أصعب القيود ليست تلك التي يفرضها الآخرون، وإنما تلك التي نصنعها لأنفسنا.

ويبقى السؤال الذي تتركه عبير حافظ معلقًا في وجدان القارئ: هل نرفض أحيانًا لأننا لا نريد، أم لأننا نخشى أن نريد؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى