حين يتعرى العقل في الجونة
حين يتعرى العقل في الجونة: غريزية الأفكار وضجيج النخبة
كل عام، ومع انطلاق مهرجان الجونة السينمائي، تتكرر الضوضاء نفسها، وكأننا أمام طقس اجتماعي أصبح أكثر حضورا من السينما ذاتها. فساتين وأجساد وكاميرات وتصريحات مثيرة، ثم معارك كلامية حول الحرية والأخلاق والدين والمجتمع، قبل أن ينتهي المهرجان ويعود الجميع إلى حياتهم. دون أن نعرف على وجه الدقة ماذا أضاف كل ذلك إلى السينما المصرية أو إلى وعينا الثقافي. ربما آن الأوان لنقل النقاش من تعري الأجساد إلى تعري العقول. فالمشكلة الأكثر خطورة ليست فيما تكشفه الملابس، وإنما فيما تكشفه الكلمات من ضحالة التفكير والاستعلاء الاجتماعي والرغبة في فرض تصورات أقلية محدودة على مجتمع كامل.
جاءت تصريحات أحد الكتاب عن المجتمع المصري بوصفه مجتمعا سلفيا معاديا للمرأة والفن، وحديث إحدى الممثلات عن كلمة "مومس" ومشروعية استخدامها، لتكشف عن أزمة تتجاوز العبارتين نفسيهما. فالكاتب انتقل من إدانة بعض المواقف التي تبرر العنف ضد النساء إلى توصيف عام للمجتمع. بينما انشغلت الممثلة بالدفاع عن وجود الكلمة في اللغة وعن حق الفن في تناول الانحرافات الاجتماعية. وليست المشكلة في إدانة العنف، فهو موقف لا يحتمل المساومة. ولا في حق السينما في تناول الدعارة وغيرها من الظواهر الإنسانية. وإنما في ذلك الميل إلى التعامل مع الاعتراض الاجتماعي باعتباره دليلا على الجهل والتخلف. وكأن الفنان يمتلك بحكم شهرته حق تحديد ما ينبغي أن يقبله المجتمع أو يرفضه.
والأكثر إثارة للدهشة ذلك التصفيق الذي يصاحب بعض هذه الآراء، بما يوحي أحيانا بأننا أمام جماعة تحتفل بيقينها الخاص أكثر مما تتحاور مع مجتمعها. فالتصفيق ليس حجة، ولا يجعل الكلام أكثر عمقا. وقد يتحول داخل الدوائر الثقافية المتقاربة إلى وسيلة للاعتراف المتبادل، يطمئن من خلالها الحاضرون إلى أنهم ينتمون إلى الجماعة المستنيرة نفسها، بينما يقف المجتمع خارج القاعة متهما بالجهل والانغلاق. هنا تصبح النخبة جمهورا لنفسها، وتتحول القاعة إلى مرآة تعكس صورة مريحة لأصحابها، لا إلى مساحة حقيقية للتفكير والاختلاف.
لكن المفارقة الأكثر قسوة أن هذه الضوضاء تتكرر في مجتمع يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة. فبينما تنشغل أسر مصرية بحساب نفقات الطعام والعلاج والتعليم والمواصلات. وتكافح قطاعات من الطبقة الوسطى للحفاظ على ما تبقى من مكانتها الاجتماعية. تتصدر الأخبار صور الرفاهية والملابس الباهظة والاحتفالات الصاخبة والمشاحنات بين المشاهير. ليس المطلوب منع أحد من الاحتفال أو مصادرة حقه في الاستمتاع بثروته، وإنما مساءلة الحس الاجتماعي الذي يسمح بتحويل هذا الاستعراض إلى حدث ثقافي مركزي، ثم يمنح بعض المشاركين فيه موقع الواعظ الذي يقرر للمجتمع ما يجب أن تكون عليه قيمه.
إن المسافة بين عالم الجونة وعالم ملايين المصريين ليست جغرافية فحسب، بل مسافة طبقية وثقافية ومعيشية. هناك من يستطيع تحويل تفاصيل حياته إلى خبر إعلامي. وهناك من يقضي حياته محاولا تدبير ضروريات البقاء. وهناك من يتحدث بسهولة عن التحرر الفردي. وهناك من تظل الحرية بالنسبة إليه مرتبطة بفرصة عمل عادلة، أو دخل يكفي أسرته، أو تعليم جيد لأبنائه. لا تكمن المشكلة في اختلاف العوالم، وإنما في أن يتحول الامتياز الاقتصادي إلى ادعاء بالتفوق الثقافي. وأن يتصور من يمتلكون شروطا مادية أفضل أنهم أكثر تحضرا ممن يعيشون ظروفا أشد قسوة.
هنا يظهر الوجه الطبقي للاستعلاء النخبوي. فبعض المنتمين إلى عالم الشهرة لا يكتفون بتفضيل نمط معين من الحياة، وإنما يميلون إلى تقديمه باعتباره المعيار الصحيح للتقدم. ثم ينظرون إلى الأنماط المختلفة باعتبارها تعبيرا عن التخلف.
وهكذا يتحول الثراء إلى رأسمال رمزي، وتصبح القدرة على الاستهلاك والاستعراض دليلا مزعوما على الاستنارة. إنها صورة مشوهة للحداثة، تختزل التقدم في المظهر والسلوك. وتتجاهل أن المجتمعات لا تتقدم بالملابس والحفلات، وإنما بالعلم والعمل والإنتاج والعدالة والمؤسسات واحترام الإنسان.
والأخطر أن هذه النظرة تتغذى أحيانا على تصور سطحي للغرب. فبدلا من استيعاب جوهر الحداثة الغربية في العقلانية والعلم والحقوق والتنظيم المؤسسي، يجري استيراد بعض مظاهرها الاستهلاكية والسلوكية بوصفها علامات جاهزة للتحرر. ويصبح الاقتراب من الصورة الغربية الشائعة في الإعلام معيارا للرقي، بينما ينظر إلى القيم المحلية باعتبارها عوائق ينبغي تجاوزها. المفارقة أن الغرب نفسه ليس مجتمعا واحدا، ولا يمتلك منظومة أخلاقية متجانسة، بل تتصارع داخله تيارات محافظة وليبرالية ودينية وعلمانية حول الأسرة والجسد والهوية والحرية. أما اختزاله في نموذج واحد ثم المطالبة بمحاكاته، فليس انفتاحا فكريا، وإنما شكل من التبعية الثقافية التي تعجز عن إنتاج حداثة تنبع من واقع المجتمع وحاجاته.
وليس معنى ذلك أن قيم المجتمع المصري جميعها صحيحة أو مقدسة. ففي داخله صور من العنف والتمييز والتسلط تستحق المواجهة. كما أن بعض التقاليد قد تتحول إلى أدوات للقهر، خاصة حين تستخدم لتبرير انتهاك كرامة المرأة. لكن الاعتراف بهذه المشكلات لا يبرر اختزال المجتمع كله في صورة متخلفة. فالأسرة ليست مجرد مؤسسة للقمع، بل شبكة للتضامن والحماية. والدين ليس مجرد منظومة من المحظورات، بل مصدر للمعنى والمسؤولية لدى الملايين. والحياء ليس بالضرورة خوفا من الجسد، بل قد يكون تعبيرا عن تصور اجتماعي للخصوصية والكرامة. وهذه القيم لا تصبح عديمة القيمة لمجرد أنها لا تتفق مع نمط الحياة الذي تفضله نخبة محدودة.
من هنا يبدو حديث الكاتب عن المجتمع السلفي مثالا على التعميم الذي يتخفى خلف لغة التنوير. فوجود أفراد يبررون جريمة ضد امرأة لا يسمح بإدانة مجتمع بأكمله. كما أن وجود اتجاهات متشددة لا يجعل التشدد خاصية جامعة للمصريين. إن المجتمع أكثر تنوعا وتعقيدا من أن يختزل في عبارة انفعالية. وإذا كان التفكير المتشدد يستحق النقد لأنه يعمم ويصنف ويقصي، فإن إعادة إنتاج المنطق نفسه باسم الاستنارة لا تجعل صاحبه أكثر تقدما. بل تكشف أن المشكلة قد تكون في طريقة التفكير ذاتها، بصرف النظر عن الشعارات التي ترفعها.
أما الممثلة، فإن دفاعها عن كلمة "مومس" يطرح مفارقة أخرى. فوجود الكلمة في المعجم لا يكفي لتبرير استخدامها فنيا في كل سياق. كما أن تناول الدعارة في السينما لا يمنح العمل قيمة فنية تلقائية. هناك فرق بين أن يكشف الفن علاقات الفقر والاستغلال والقهر التي تدفع الإنسان إلى الهامش، وأن يستخدم الظاهرة لمجرد الإثارة. والجمهور الذي يناقش هذا الفرق لا يصبح عدوا للفن. كما أن اعتراضه على معالجة معينة لا يعني مطالبته بإلغاء حرية الإبداع. إن تحويل كل تحفظ اجتماعي إلى اتهام بالجهل وسيلة سهلة للهروب من النقد، لا دليلا على التفوق الفكري.
وهنا نصل إلى ما يمكن تسميته "غريزية الأفكار". فالغريزة لا تسكن الجسد وحده، بل قد تستولي على العقل عندما يصبح أسيرا للرغبة في التفوق والسيطرة وفرض المعنى على الآخرين. إنها تظهر حين لا يكتفي الإنسان بحقه في الاختلاف، بل يريد تحويل اختياراته إلى معيار ملزم للجميع. وحين لا يرضى بأن يعيش وفقا لقيمه، بل يسعى إلى نزع المشروعية عن قيم مخالفيه. قد يكون التعصب باسم التحرر أشد تناقضا من التعصب باسم التقاليد، لأن صاحبه يمارس الوصاية في اللحظة التي يعلن فيها محاربتها.
وهذا هو جوهر الهيمنة الثقافية التي تتسلل أحيانا من خلال الشهرة والإعلام. فليس ضروريا أن يصدر أمر مباشر لتغيير القيم، بل يكفي أن تتكرر صور وأنماط حياة معينة، وأن تقدم باعتبارها علامات على التقدم، وأن يصنف المختلفون معها بوصفهم خارج العصر. بذلك تتحول الأفضلية الشخصية إلى معيار اجتماعي. ويصبح النفوذ الإعلامي وسيلة لإضفاء الشرعية على تصورات لا تستمد قوتها بالضرورة من عمقها الفكري. وليست المشكلة أن أقلية تريد التغيير، فالأقلية قد تحمل أفكارا عظيمة، وإنما أن تتصور أن شهرتها تمنحها حق الوصاية على الأغلبية، وأن اعتراض المجتمع على أفكارها يمثل جريمة ضد الحرية.
الواقع أن الشهرة الفنية ليست شهادة بالمعرفة الاجتماعية. فالكاتب الناجح ليس بالضرورة قادرا على تفسير تحولات مجتمع كامل. والممثلة الموهوبة لا تصبح بحكم موهبتها مرجعا في فلسفة الأخلاق. من حقهما بالطبع التعبير عن آرائهما، لكن حق التعبير لا يعني حصانة الأفكار من النقد، ولا يفرض على الجمهور قبولها. والمفارقة أن بعض الفنانين يستندون إلى حب الجمهور لإثبات نجاحهم، ثم يتعاملون مع الجمهور نفسه باعتباره عاجزا عن الفهم حين يرفض بعض اختياراتهم.
وفي غمرة هذه المعارك تضيع السينما ذاتها. فأين النقاش الجاد حول أزمة الإنتاج والسيناريو والتوزيع؟ وأين الاهتمام بالأعمال التي تتناول تحولات الطبقة الوسطى، والفقر والعمل والهجرة وتغير العلاقات الأسرية؟ ولماذا تتقدم تصريحات المشاهير على القضايا التي يفترض أن تكون في قلب مهرجان سينمائي؟ إن السينما المصرية عرفت أعمالا عظيمة واجهت القهر والاستغلال والتمييز. ولم تكن قوتها في قدرتها على استفزاز المجتمع أو احتقاره، وإنما في قدرتها على فهمه وكشف تناقضاته. أما تحويل الاستفزاز إلى قيمة مستقلة، فإنه لا ينتج فنا عظيما، بل قد يتحول إلى سلعة إعلامية سريعة الاستهلاك.
وستنتهي هذه الدورة من الجونة كما انتهت سابقاتها، وتختفي الأضواء ويغادر الضيوف، بينما تبقى الأزمات التي يعيشها المصريون. ولن يكون السؤال المهم عما كشفته الملابس أو ما أثارته كلمة هنا وتصريح هناك، بل عما كشفته هذه المناسبة من فجوة بين بعض المنتمين إلى النخبة والمجتمع الذي منحهم الشهرة والمكانة. فالمجتمع لا يحتاج إلى من يمنحه شهادة في التحضر، ولا إلى من يفرض عليه نموذجا مستوردا للحياة، وإنما إلى ثقافة تفهمه وتنقده دون احتقاره، وتساهم في تغييره دون أن تتعامل معه باعتباره مادة خاما تنتظر إعادة التشكيل.
إن أخطر ما في هذه الضوضاء ليس تعري الجسد، بل تعري العقل حين يستبدل المعرفة بالاستعلاء، والحوار بالتصفيق، والحرية بالرغبة في الهيمنة. وليس أكثر بؤسا من نخبة تتحدث عن تحرير المجتمع بينما تضيق بحقه في الاختلاف معها. أو تحتفل بحداثة استهلاكية منفصلة عن أزماته الحقيقية. فالجسد الذي ينكشف أمام الكاميرات قد يثير جدلا عابرا، أما العقل الذي تنكشف محدوديته أمام المجتمع، فتلك فضيحة ثقافية لا تستطيع الأضواء إخفاءها.
