في مقام الرماد
قال الشيخ للخراب:
ما اسمك؟
فأجابه الجدار
بصوتٍ خرج من شقٍّ صغير:
أنا البيت
حين يفقد أهله
ويظلّ واقفًا
كي لا يفضح الغياب.
في الطريق إلى المدينة
كان الجنود يتركون ظلالهم
على الحجارة،
وكانت الأشجار
ترفع أغصانها إلى السماء
لا طلبًا للمطر،
بل لتشهد
أن الدم يصعد أيضًا.
دخلتُ المسجد
فوجدتُ المحراب مائلًا،
كأن القبلة نفسها
قد أصابها الشك.
وضعتُ يدي على الجدار،
فسمعتُ تحت أصابعي
نبضًا بعيدًا:
ربما كان قلب طفل
نجا من القصف،
أو قلب مدينة
لم تجد بعدُ
من يدفن موتاها.
قال العارف:
لا تبحث عن الله
في الأماكن السليمة وحدها؛
فقد يختبئ النور
في أعمق موضعٍ
كسره الإنسان.
وفي الليل،
كانت أمٌّ تجمع أسماء أبنائها
من بين الأنقاض،
تغسلها بماء قليل،
وتعلّقها على صدرها
كما تُعلّق التمائم.
لم تبكِ.
كان بكاؤها قديمًا
إلى حدّ أنه صار حجرًا،
وكان الحجر، كلما مرّت به الريح،
يُخرج من جوفه
آهةً تشبه الأذان.
رأيتُ طفلًا
يرسم بابًا على التراب،
ثم يدخل منه
إلى جهةٍ لا تُرى.
سألته: إلى أين؟
قال:
إلى بيتنا.
وحين أفاقت المدينة
من نومها الثقيل،
لم تجد شمسًا،
بل عينًا واسعة
معلّقة فوق الرماد.
عندها فهمتُ:
الحرب لا تقتل الذين يسقطون فقط،
بل تترك في الأحياء
غرفةً مغلقة،
كلما أُضيئت
خرج منها ميتٌ جديد.
ومع ذلك،
من تحت الركام
كانت نبتة صغيرة
تشقّ طريقها.
لم تكن تعرف شيئًا عن النصر،
ولا عن الهزيمة.
كانت تعرف فقط
أن الجذر صلاةٌ
لا تحتاج إلى لسان،
وأن الأرض،
مهما كثرت عليها القبور،
تظلّ تفتح قلبها
لمن يأتيها
حاملًا حفنةً من الضوء.
