كِلكامِش على أريكة التحليل
ملحمة الذهن المغربي بين صمت الأضرحة وضجيج الحداثة
توطئة المحرر: في هذا النص العابر للأجناس الأدبية، نستدعي روح أقدم أسطورة عرفتها البشرية لنسقطها على واقع حديث ومعقد. هنا، لا يبحث كلكامش عن زهرة خلود أسطورية، بل عن "سكينة مفقودة" في مجتمع مغربي يقف ممزقا بين تقاليد تكتم الأنفاس، وحداثة تجارية تبيع الوهم. عبر سبعة ألواح متخيلة، نغوص في رحلة الإنسان المغربي مع المرض النفسي، من طقوس "بويا عمر" إلى عيادات المعالج النفسي، وصولا إلى فخاخ التنمية البشرية.
اللوح الأول: هو الذي سبر الأغوار وبنى أسوار الكتمان
هُوَ الَّذِي رَأَى كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَقَاصِي الرُّوحِ فِي بِلَادِ المَغْرِبِ،
هُوَ الَّذِي عَرَفَ خَبَايَا الصُّدُورِ، وَتَجَرَّعَ كَأْسَ الأَحْزَانِ السِّرِّيَّةِ،
جَلَبَ أَنْبَاءَ مَا قَبْلَ الطُّوفَانِ النَّفْسِيِّ، قَبْلَ أَنْ تَزْحَفَ شَاشَاتُ الضَّوْءِ وَتَأْكُلَ العُقُولَ.
تَأَمَّلُوا الإِنْسَانَ المَغْرِبِيَّ، كِلْكَامِشَ العَصْر... ثُلُثَاهُ مِنْ ثِقَلِ التَّقَالِيدِ، وَثُلُثُهُ مِنْ هَشَاشَةِ الحَدَاثَةِ!
بَنَى أَسْوَارَ «الحُشُومَةِ» شَاهِقَةً حَوْلَ صَدْرِهِ،
أَسْوَاراً مِنْ نُحَاسِ الكِبْرِيَاءِ، مَتِينَةً،
لَا تَسْمَحُ لِصَوْتِ الأَنِينِ أَنْ يَتَسَرَّبَ لِلجِيرَانِ.
فِي دَاخِلِهِ، كَانَ المَلِكُ مُسْتَبِدّاً،
يَقْمَعُ مَشَاعِرَهُ بِسِيَاطِ الإِنْكَارِ،
وَيَصْرُخُ فِي رَعِيَّةِ نَفْسِهِ: "الرِّجَالُ لَا يَبْكُونَ، وَالنِّسَاءُ لِأَحْزَانِهِنَّ يَكْتُمْنَ!"
اللوح الثاني: غَيَاهِبُ الأَضْرِحَةِ وَدُخَانُ الوَهَمِ
ضَجَّتْ أَرْوَاحُ الأَهَالِي مِنَ الكَبْتِ، فَصَرَخَتْ تَشْكُو لِآلِهَةِ السَّمَاءِ بَأْسَ الاِكْتِئَابِ.
وَفِي غَابَاتِ الجَهْلِ، شُيِّدَتْ مَعَابِدُ «بُويَا عُمَرَ» وَأَخَوَاتِهَا،
هُنَاكَ، حَيْثُ يُقَيَّدُ العَقْلُ بِالسَّلاسِلِ لِيُطْرَدَ الشَّيْطَانُ المَوْهُومُ.
رَأَيْتُ كِلْكَامِشَ يَجُرُّ خُطَاهُ إِلَى الكَاهِنِ الأَعْظَمِ، شَيْخِ الزَّاوِيَةِ وَقَارِئِ الطَّلاسِمِ.
يَذْبَحُ دِيكاً أَسْوَدَ قُرْبَاناً لِـ "أَسْيَادِ المَكَانِ"، وَيَشْرَبُ مَاءَ "المَحْوِ" المَمْزُوجَ بِصَدَأِ الأَيَّامِ وَرَمَادِ الخُرَافَةِ.
قَالُوا لَهُ: "بِكَ مَسٌّ مِنَ الجِنِّ، أَوْ عَيْنٌ حَاسِدَةٌ أَصَابَتْ نَجَاحَكَ!"
فَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ مُثْقَلاً بِالتَّمَائِمِ، خَاوِيَ الجُيُوبِ، وَالوَحْشُ القَابِعُ فِي صَدْرِهِ -وَحْشُ القَلَقِ- لَمْ يَزَلْ يَنْمُو وَيَتَغَذَّى عَلَى صَمْتِهِ.
"الأَجْدَادُ رَمَوْهُ بِتُهْمَةِ الجُنُونِ: مَنْ يَذْهَبُ لمُعَالجِ النَّفْسِ فَهُوَ أَحْمَقُ أَوْ ضَعِيفُ الإِيمَانِ!"
اللوح الثالث: نُزُولُ الحَكِيمِ الغَرِيبِ مِنَ الشَّمَالِ
ثُمَّ أَرْسَلَتِ الأَقْدَارُ نِدّاً لِهَذَا العَذَابِ،
نَزَلَ عِلْمُ النَّفْسِ الحَدِيثُ كَـ "إِنْكِيدُو" آتِياً مِنْ بَرَارِي الغَرْبِ.
وُلِدَ فِي مُخْتَبَرَاتِ "فوندت" وَ"فرويد"، وَهَبَطَ بِمِشْرَطِ التَّحْلِيلِ وَكَلِمَاتٍ أَعْجَمِيَّةٍ.
نَزَلَ السَّاحَةَ يَصْرُخُ: "إِنَّهَا عُقَدُ الطُّفُولَةِ! إِنَّهَا صَدَمَاتُ المَاضِي! لا جِنَّ هُنَا وَلَا عَفَارِيتَ!"
تَوَاجَهَ العِلْمُ الجَدِيدُ مَعَ الأَعْرَافِ العَتِيقَةِ فِي سَاحَةِ المُجْتَمَعِ.
تَصَارَعَا صِرَاعاً عَنِيفاً زَلْزَلَ أَرْكَانَ المَقَاهِي وَصَالُونَاتِ البُيُوتِ.
الأَجْدَادُ رَمَوْهُ بِتُهْمَةِ الجُنُونِ: "مَنْ يَذْهَبُ لمُعَالجِ النَّفْسِ فَهُوَ أَحْمَقُ أَوْ ضَعِيفُ الإِيمَانِ!"
لَكِنَّ كِلْكَامِشَ المَغْرِبِيَّ، المُتْعَبَ مِنْ ثِقَلِ رُوحِهِ،
دَنَا مِنْ هَذَا العِلْمِ، عَانَقَهُ فِي سِرِّيَّةٍ تَامَّةٍ،
مُتَلَثِّماً كَيْ لَا يَرَاهُ الجِيرَانُ وَهُوَ يَلِجُ بَابَ العِيَادَةِ.
اللوح الرابع: رِحْلَةٌ إِلَى غَابَةِ الأَرْزِ لِقَتْلِ "خُومْبَابَا الوَصْمِ"
تَآخَى الفَرْدُ مَعَ مُعالجهِ، وَقَرَّرَا الانْطِلَاقَ فِي رِحْلَةٍ مَلْحَمِيَّةٍ.
وَجْهَتُهُمَا؟ غَابَةُ المُعْتَقَدَاتِ البَالِيَةِ،
حَيْثُ يَسْكُنُ الوَحْشُ المُرْعِبُ "خُومْبَابَا"، حَارِسُ الوَصْمِ الاجْتِمَاعِيِّ.
كَانَ "خُومْبَابَا" يَزْمَجِرُ بِأَلْفِ صَوْتٍ: صَوْتِ العَمَّةِ، صَوْتِ الجَارِ، وَصَوْتِ رَفِيقِ العَمَلِ.
يَقُولُ: "إِذَا كَشَفْتَ عَنْ حُزْنِكَ، سَتَسْقُطُ هَيْبَتُكَ! سَيَنْبِذُكَ القَوْمُ وَتَبْقَى طَرِيداً!"
ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُ البَطَلِ، لَكِنَّ العِلْمَ شَدَّ عَضُدَهُ: "لا تَخَفْ، سَنُسَلِّطُ عَلَيْهِ رِيَاحَ الوَعْيِ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ!"
بِمِعْوَلِ المَنْطِقِ، وَبِدُمُوعِ البَوْحِ الصَّادِقِ عَلَى أَرِيكَةِ المعالجِ،
قَطَعَ كِلْكَامِشُ رَأْسَ الوَصْمِ،
وَأَدْرَكَ أَنَّ المَرَضَ النَّفْسِيَّ لَيْسَ عُقُوبَةً مِنَ السَّمَاءِ،
بَلْ هُوَ ضَرِيبَةُ الإِنْسَانِيَّةِ وَالعَيْشِ فِي عَالَمٍ قَاسٍ.
"تَسَلَّلَتْ أُفْعُوَانُ السَّاحَاتِ -الـ"لَايْف كُوتْش"- بِبِدْلَتِهِ اللَّامِعَةِ،
سَرَقَ النَّبْتَةَ مِنْ يَدِهِ، وَبَاعَهَا فِي صُورَةِ دَوْرَةٍ تَدْرِيبِيَّةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ
اللوح الخامس: ثَوْرُ الرَّأْسْمَالِيَّةِ السَّمَاوِيُّ
مَا إِنِ اسْتَرَاحَ البَطَلُ، حَتَّى أَرْسَلَتْ رَبَّاتُ العَصْرِ الحَدِيثِ وَحْشاً أَشَدَّ بَطْشاً.
نَزَلَ "ثَوْرُ السَّوْشِيَال مِيدْيَا" وَ"خُبَرَاءُ الطَّاقَةِ الإِيجَابِيَّةِ" يَحْرُثُونَ أَرْضَ العُقُولِ بَخَرَابِهِمْ.
بَاعُوهُ الوَهْمَ فِي كَبْسُولَاتٍ: "كُنْ سَعِيداً بِالقُوَّةِ! تَنَفَّسْ بِعُمْقٍ وَسَتُسَدَّدُ دُيُونُكَ!"
وَأَمَّا طِبُّ النَّفْسِ نَفْسُهُ، فَقَدْ كَشَّرَ عَنْ أَنْيَابِهِ التِّجَارِيَّةِ.
غَدَتِ الجَلْسَةُ بِأَجْرٍ يَقْصِمُ الظَّهْرَ، وَالدَّوَاءُ الكِيمْيَائِيُّ نَهْراً يَسْتَنْزِفُ الخَزَائِنَ.
مَاتَ «إِنْكِيدُو» المُثُلِ العُلْيَا فِي حُضْنِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ المُتَوَحِّشَةِ،
وَتُرِكَ كِلْكَامِشُ يَبْكِي،
مُدْرِكاً أَنَّ العِيَادَاتِ أَيْضاً قَدْ تَصِيرُ أَضْرِحَةً جَدِيدَةً تُعْبَدُ فِيهَا الأَوْرَاقُ النَّقْدِيَّةُ.
اللوح السادس: البَحْثُ عَنْ نَبْتَةِ السَّكِينَةِ وَأُفْعُوَانُ التَّنْمِيَةِ
مَذْعُوراً مِنْ فَنَاءِ رُوحِهِ،
انْطَلَقَ بَطَلُنَا يَعْبُرُ بِحَارَ الظُّلُمَاتِ بَحْثاً عَنْ "نَبْتَةِ الخُلُودِ النَّفْسِيِّ".
غَاصَ فِي أَعْمَاقِ ذَاتِهِ، تَعَلَّمَ التَّقَبُّلَ، وَقَطَفَ شَوْكَةَ السَّكِينَةِ الدَّاخِلِيَّةِ بِعَنَاءٍ.
لَكِنْ، وَبَيْنَمَا هُوَ يَغْتَسِلُ فِي بِئْرِ النِّسْيَانِ لِيَلْتَقِطَ أَنْفَاسَهُ،
تَسَلَّلَتْ أُفْعُوَانُ السَّاحَاتِ -الـ"لَايْف كُوتْش"- بِبِدْلَتِهِ اللَّامِعَةِ،
سَرَقَ النَّبْتَةَ مِنْ يَدِهِ، وَبَاعَهَا فِي صُورَةِ دَوْرَةٍ تَدْرِيبِيَّةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ،
وَخَلَعَ الثُّعْبَانُ جِلْدَهُ لِيَظْهَرَ كَخَبِيرٍ عَالَمِيٍّ، وَتَرَكَ البَطَلَ خَالِيَ الوِفَاضِ!
اللوح السابع: الخَاتِمَةُ أَمَامَ أَسْوَارِ الذَّاتِ
بَكَى كِلْكَامِشُ المَغْرِبِيُّ بُكَاءً مُرّاً عَلَى شَوَاطِئِ الخَيْبَةِ،
ثُمَّ قَامَ وَنَفَضَ عَنْهُ غُبَارَ الوَهَمِ.
عَادَ لِيَقِفَ أَمَامَ أَسْوَارِ هَوِيَّتِهِ.. نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الحَكِيمِ الَّذِي رَأَى وَخَبِرَ.
أَدْرَكَ أَنَّ الشِّفَاءَ لَيْسَ نَبْتَةً سِحْرِيَّةً نَأْكُلُهَا وَلَا طَقْساً غَيْبِيّاً نُمَارِسُهُ،
وَلَا هُوَ عِيَادَةٌ مُسْتَوْرَدَةٌ تَقِيسُ الحُزْنَ بِالمَسْطَرَةِ وَتَبِيعُهُ بِالسَّاعَةِ.
أَدْرَكَ أَنَّ الخُلُودَ النَّفْسِيَّ هُوَ أَنْ تَقْبَلَ نَقْصَكَ،
أَنْ تَعْرِفَ مَتَى تَلْجَأُ لِحِكْمَةِ الأَجْدَادِ فِي التَّكَافُلِ وَالمَحَبَّةِ،
وَمَتَى تَسْتَخْدِمُ سَيْفَ العِلْمِ لِبَتْرِ الجَهْلِ.
نَقَشَ عَلَى لَوْحِ صَدْرِهِ خَاتِمَةَ مَلْحَمَتِهِ:
"هُنَا يَقِفُ الإِنْسَانُ عَرِيضاً قَوِيّاً، يَتَأَلَّمُ فَيَعْتَرِفُ، وَيَسْقُطُ فَيَنْهَضُ، لَا يَخْجَلُ مِنْ دَمْعِهِ، وَلَا يُسْلِمُ عَقْلَهُ لِمُشَعْوِذِي الدِّينِ، وَلَا لِمُشَعْوِذِي الحَدَاثَةِ".
