الاثنين ٤ تموز (يوليو) ٢٠١١
بقلم سامية إدريس

نجمة

هي بالذات لم يكن ذلك متوقعا منها هي الصامتة الضاحكة كما يسمونها، كأنه ليس من حقها أن تمرض. في داخلها كانت تعلن أنها أحق الناس بالمرض، بالتحديد هذا النوع من المرض الغريب، يكفي فقط أن تتطلع كل صباح إلى الغبار الذي ينسج خيوطه الواهية حول النوافذ والبيوت يهيئها لسبات قادم، يكفي فقط أن تلقي نظرة بطرف عينها على الأطفال المعشقين بالذباب، كأنما انتقل الغبار من الساحة ليلبسهم بذلته الرمادية تلك، حسنا دعنا من التفاصيل الهامشية، إذ القرى وأطفالها مشهورون بمثل هذه الخصال ناهيك عن الطرق المتربة وشح الماء وثرثرة النساء في الساحة أوعند عتبات البيوت تقاليد ورثتها القرى أبا عن جد كما يقال. لكن موضوعنا ليس هذا موضوعنا هو الصامتة الضاحكة، أعني نجمة ــ صحيح أنها نجمة القرية ــ ولكني أريد المعنى الحرفي للكلمة أقصد اسم العلم المجرد من كل تلك الأذيال، طبعا لن ننكر الجهد الذي بذلته الأم وهي تلهث تحت ضغط حملها المتثاقل في أشهره الاخيرة وتعصر الذاكرة بحثا عن اسم: إن كان ذكرا ــ لعلها كانت تمني النفس ــ بما يوفر لها بعض الرفعة لتضمد به جروح الرحم الممزقة، ستسميه محمد على اسم أبيها، وإن كانت أنثى ــ تتمنى في سرها ألا يصدق الاحتمال ــ كيف ستسميها؟ ستدع ذلك للحظة، لان لكل لحظة إلهامها.

وعندما صرخ القادم الجديد إلى دنيا الغبار والشمس الحارقة وأعلنت القابلة تفاحة بصوت يشوبه الانكسار: إنها أنثى. فكرت في الاسم. والواقع أنه لم يكن عليها أن تجهد نفسها في البحث عن اسم، سيتكفل الطالب سي احمد بحل المشكلة، سيمنحها كما لو أنه يهدي سلة من الفواكه ثلاثة اختيارات: خيرة و مليكة و نعيمة.

راحت تقلبها بينها وبين سلفتها التي حضرت لها الغداء طبقا من الشخشوخة الساخنة بقطع من الدجاج الريفي ( العربي) تضحك المرأتان في أيام الصفاء وتنسل بينهما خيوط العداء أيام الشقاء، هذا أمر اعتيادي بين نساء البيت بل إنه يتقاطع مع خصومات الأطفال. خذ لك مثلا فقد يحدث حول مائدة القهوة العامرة بالضحك أن يخترق شجار مفعم بالحقد تلك الرائحة اللذيذة التي كثيرا ماتتبعها مرارة قاتلة. على كل هذا لا يحدث دائما إنها اللحظات المشحونة وحدها المسؤولة عن تازم الأوضاع، كأن تخطب ابنة الجيران بينما السلفة التي تكبرها بثلاث سنوات تظل تنتظر عند عتبة البيت، أو مثلا أن الكنة الصغرى تشتري قطعة ذهبية جميلة فيما الأخرى تتوارى خلف ظلال حماتها المشرئبة نحو السماء. اللحظة كانت لحظة صفاء على الرغم من الغصة الخفيفة المتكورة في صدر النفساء وفيما راحت المرأتان تجربان الاسم في شكل مناداة: يا خيرة، يا مليكة ، يا نعيمة، أطلت الحماة وأعلنت بصوت قاطع كل الاحتمالات سنسميها نجمة، أنا رايتها نجمة عند الفجر الحليبي الذي أطل علي كانت نجمة وحيدة فنذرتها لهذا الاسم.

وبطبيعة الحال كانت نجمة تعرف شذرات من حكاية اسمها التي كثيرا ما اندلقت من شفاه أمها أو عمتها عقيلة أم فارس ، ولكنها سمعتها بلذة من جدتها المرحومة زينب في ليالي الشتاء الباردة وفي ضحى الصيف وفي تعريش المساء. هل كانت جدتها زينب تصر على أن لاسمها أصداء، بمعنى آخر هل عليها أن تكون نجمة بالمعنى الحرفي لاسمها؟ فعلا كانت مثل هذه الأسئلة كثيرا ما تراود نجمة في أيام مراهقتها المنهكة بالتعب والطموح في أن تجسد اسمها. على كل حال هذه مجرد ذكرى واهنة تمر الآن لتؤكد لها أن ذاكرتها بخير بل هي قادرة على الذهاب أبعد من ذلك إلى طريق المدرسة الممتدة كالثعبان حتى ليخيل إليها أنها بلا نهاية ومع ذلك كانت رجلاها تستميتان في حملها للوصول بها إلى المقعد الخشبي العتيق، يحدث كثيرا أن تصل عند منتصف الدرس فتنال جزاءها، ويحدث أحيانا أن تغافل المعلم المنشغل بالحديث مع زميله في الحجرة المجاورة، وقد يحدث وهذا هو الأهم أن يكون منهمكا في عقاب واحد من التلاميذ الأغبياء الذين يتعمدون كتابة الهمزة على السطر في كلمة رأس. وهكذا تنفلت من جنون تلك اللحظة وتستريح في مكانها متحاشية نظرات زميلتها التي تتربص بالوشاية على لسانها ويكاد لعابها يقطر بها.

إذن ما هذا الشئ الغريب الذي أصابها عند الفجر الحليبي ــ كما وصفته جدتها ــ لقد استيقظت في مثل ذلك الوقت الغامض والذي كأنه خارج عن عقال الزمن بمعناه الصارم لتجد نفسها ليست هي ، إنها لا تحس بوجودها. نعم إن العبارة تتردد على كثير من الألسنة ولكنها تعيشها كواقع ملموس بعيدا عن ذلك المعنى المجازي المحفوف بمداعبات وجودية لامعة، قد ترتسم في أذهان الشعراء والفلاسفة، وهي تحس بالاختناق وبحاجة غريبة إلى شئ ما، جوع غير اعتيادي لا يعالجه الطعام. ولكن ما علاقتها هي بالذات بكل ذلك؟ أهذا هو الجنون؟ أم أنها تمشط حوافه المسننة عن قرب؟ المشكلة ليس في ذلك السؤال الحائر على شفتيها ماالذي يحدث؟ كأنه الفاجعة التي تزحف نحو حياة هي في الأصل قاحلة استهلكها الغبار، ولكن مالعمل؟ لقد نامت على حزن بل إنها باحت ببعض الأسرار للمخدة البيضاء التي رافقتها منذ أمد هدية جدتها زيادة على اسمها. عليها أن تمحو تلك الصفرة التي تغلف الوجود هكذا صارت حالتها الجديدة لتكتشف أن العين وسيط غير دقيق ينقل رؤية الداخل لا أكثر، أما ما تنقله العين وتجتهد في تقديمه على أساس أنه الحقيقة فلا أساس له من الصحة، أين أنت أيتهاالحقيقة ؟ رفرفي كيفما يحلو لك فوق القمم، نامي مع الآلهة بين أحضان الأولمب فثمة مكانك بعيدا عن أرضنا المعشقة بالغبار والدخان والموت. الحالة غريبة، وأمها كثيرا مانهرتها عن إحراق عينيها العسليتين الجميلتين في الكتب، بل إن أهل قريتها كثيرا ما يجاهرون بأن الكتب تؤدي إلى الجنون، ومن ثم يشرعون في تعداد الأسماء التي أردتها اللوثة، ويستغربون لصمتها وضحكها الدائمين، دون أن ينسوا إهداءها لقبا يليق بمقامها، فالناس هنا تحرص على إطلاق الألقاب كما تحرص على حياتها، وهي محظوظة إذ أفلتت من لقب مضحك يشبه الكتابة على الظهر أو الشتيمة المعلنة أو الرسم الكاريكاتوري.

حسنا ماالحل برأيك؟ وشهوة الحياة تتضاءل والغبار يزحف فيما الوجود من حولها يصفر والناس يزدادون هزالا ووجوه الصبية تتعرى من البراءة يوما بعد يوم.

كظمت حلما غائرا ترددت قليلا ثم أفلتت بعض الجمل في الهواء، وحين تردد صداها ذكرها بموسيقى وإحساس يشبه الشعر. تريثت هنيهة فتردد الصدى ذاته عندها أخرجت قلما وورقا وشرعت في الكتابة : نجمة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى