رائحة الطين
الفجرُ يقشعُ الظلامَ، وبدأت ملامحُه تتشكّل فوق القرية، يوقظُ الجدرانَ ويتركُ على الطين أثرَ خطوطِ نوره الأوّل. كان صافياً في يومه هذا، وكان "ماهر" يتهيّأ للخروج نحو البئر، يحملُ إبريقًا نحاسيًا (…)
الفجرُ يقشعُ الظلامَ، وبدأت ملامحُه تتشكّل فوق القرية، يوقظُ الجدرانَ ويتركُ على الطين أثرَ خطوطِ نوره الأوّل. كان صافياً في يومه هذا، وكان "ماهر" يتهيّأ للخروج نحو البئر، يحملُ إبريقًا نحاسيًا (…)
مدخل ١ الحافلة تتنفس، ويدور الزمان على عجلاتها كروحٍ تبحث عن مبتغاها. أضواء الطريق تتَرَاءى لها كذكرياتٍ تذبل، لكنها تُولد مع كل لحظة. الرجل الستيني بجانب النافذة، عيناه تشربان ما تبتلعه العجلات (…)
كان يعيش في قلعةٍ لا تُرى، قلعةٍ مشيّدةٍ من الخوف وحده. جدرانها من الظنّ، أبوابها من الهواجس، وسقوفها من صدًى يتهامس بين الحواس. لم يكن في القلعة حجرٌ واحدٌ من العالم الواقعي، ومع ذلك كانت (…)
اقترب المساء، وحين هدأت الأصوات في الحيّ القديم، كان سالم، الستينيّ، يجلس عند نافذة غرفته المطلة على حديقةٍ مهجورة. وضع فنجان الشاي أمامه، وغاب في صورٍ تتوهّج فجأة في رأسه: وجه أمّه وهي تناديه من (…)
الصورُ التي تهشَّمتْ، تجاوزَ عمرُها الزمني، وأثقلتْ على إطارِها والحائطِ المنحني. أومأتْ للوداع، شطرَ الثقوبِ المائلةِ إلى الشفق، تتهيّأُ للرحيل. تحتَ السقفِ من يُهدِّدُ أرواحَ سُكْنانا (…)
أُريدُ صباحًا يأتي على تَؤَدَةِ حلمٍ، يَنسلُّ من بينِ أهدابِ الغفوة، عارٍ من الأخبار، ومن وجوهٍ تَختبئُ خلفَ زجاجٍ متجهِّم. صباحًا يَمشي على أطرافِ الضّوء، يوقظني بنسمةٍ تُحادثُ الشجر، ويُقدِّمُ (…)
أستيقظُ من داخلِ الفكرة، كأنَّ هواءً جديدًا يتذكّرني. المدى يُديرُ وجهَهُ للّيل، يستريحُ على جدارٍ من أرق، والأبوابُ تستذكرُ أسماءَ مَن لم يعودوا. قلبي — مصباحٌ صدئ، يضيءُ بالحنين أكثرَ ممّا (…)
في زحمةِ الضوء، تتعثّرُ الظلالُ ببعضِها، تذوبُ كملحٍ في ذاكرةٍ مبلّلةٍ بالحنين، وتتردّدُ الأصداءُ عند غروبِ المساء. الوجوهُ هي الأخرى أمواجٌ، كلُّ وجهٍ يخبّئُ حكايةً تختنقُ في زحمةِ الأصوات، (…)
أطلُّ من نافذةٍ على ما لم يَعُدْ لي. أُصفِحُ الذاكرةَ، رائحتُها لا تزالُ تدلُّ على الأصابعِ التي قلّبتْ صفحاتِها. أتذكّرُ الطريقَ الذي كنّا نسيرُ فيه، كان الغبارُ يسبقُنا، ويعرفُ النهاية. (…)
هناك، في أعلى بنايةٍ أدار عنها الضوءُ وجهَه، من إسمنتٍ رماديٍّ هرِمٍ تتشقّق فيه الذاكرةُ كخدودٍ غابت عنها المرآة، عند طرف المدينة الذي لا يمرّ به أحدٌ إلّا بالخطأ، عاش سالم جزءًا من حياته. عاملُ (…)