الأربعاء ٢٨ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم يوسف علاري

الإرهاب لا يبدأ بالرصاص

ليس صعبًا أن ندين جريمة إرهابية، ولا يحتاج الأمر إلى شجاعة استثنائية كي نعلن تضامننا مع الضحايا، لكن الصعوبة الحقيقية تبدأ حين نتجاوز الإدانة إلى السؤال الأهم: كيف يصل المواطن إلى مرحلة يرى فيها قتل مواطنين آخرين فعلًا مبررًا باسم الدين أو العقيدة أو الهوية؟

إن الجريمة التي استهدفت كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، أثناء تشييع جنازة، وأسفرت عن سقوط شهداء ومصابين، ليست حادثة يمكن طيّها ببيان استنكار، بل هي جرس إنذار يدعونا إلى التوقف أمام خطورة الأفكار التي تغذّي الكراهية، وتحوّل الاختلاف إلى عداوة، وتمنح أصحابها وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، والحق في تقرير من يستحق الحياة ومن يجوز قتله في انتهاك صارخ لحق الإنسان في الحياة والكرامة، وتقويض لقيم التعايش والتسامح.

الرصاصة تُطلق في لحظة، أما الفكرة التي تبيح القتل فقد تتشكّل على مدى سنوات. لذلك، لا يكفي أن تنحصر المواجهة في ملاحقة مرتكبي الجرائم بعد وقوعها، بل لا بد من فهم الأفكار التي تجعل العنف مقبولًا في عقول أصحابها.

المتورطون في هذه الجريمة ثلاثة شباب من عائلة واحدة. وهذه المعلومة تطرح تساؤلات حول الظروف الاجتماعية والفكرية التي قد تسهم في تشكّل الأفكار المتطرفة، من دون أن تعني بالضرورة أن الانتماء إلى أسرة واحدة يفسّر وحده دوافع الجريمة. فكيف ينشأ هذا الفكر بين أفراد أسرة واحدة دون أن يلاحظه أحد؟

فالأسرة والمدرسة والجامعة من البيئات المؤثرة في تشكيل الوعي، لكن هذه البيئات لا تؤثر بمعزل عن المجتمع والإعلام والمنصات الرقمية والخطابات التي توظّف الدين لتبرير الكراهية والعنف. ومن هنا، فإن فهم التطرف يتطلب النظر إلى العوامل المتداخلة التي تسهم في تكوينه، بدلًا من اختزاله في سبب واحد أو تحميل جهة بعينها المسؤولية كاملة.

والمسألة تمتد إلى سؤال أكثر إزعاجًا: ماذا تفعل المؤسسات المعنية قبل وقوع الجريمة غير إدانة التطرف حين تظهر نتائجه؟ أين خطابها وممارساتها في تشكيل الوعي الجمعي؟ فالتحدي الحقيقي ليس في إدانة الكراهية بعد أن تتحول إلى عنف، بل في فهم كيف يجد الظلام طريقه إلى العقول.

وتتحمل المؤسسات الدينية ورجال الدين مسؤولية التصدي للتأويلات التي توظّف الدين لتبرير الكراهية والعنف، فيما تتحمل المؤسسات الثقافية والإعلامية مسؤولية مواجهة الخطابات التي تروّج للتطرف، وتعزيز ثقافة تقبل الاختلاف واحترام كرامة الإنسان.

فحين تتراجع ثقافة الحوار، ويُترك المجال للخطابات التي تقسّم الناس إلى مؤمنين يستحقون الحياة وآخرين يُستباح دمهم، تصبح مواجهة العنف ضرورة تبدأ من الفكر، قبل أن تتحول إلى مواجهة مع نتائجه على الأرض.

ولا يمكن أن تكون مواجهة التطرف فعالة من دون عمل مؤسسي مستمر، وتطبيق عادل للقانون على مرتكبي الجرائم وكل من تثبت مسؤوليته عن التحريض عليها، وفقًا للقانون وبما يضمن المحاكمة العادلة والحقوق والحريات. فالتصدي للتطرف لا يبرر التضييق على الاختلاف أو التعامل مع الآراء المخالفة بوصفها تهديدًا؛ إذ إن الخلط بين الاختلاف والتحريض قد يفاقم المشكلة بدلًا من معالجتها.

استهداف المسيحيين في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس لم يكن اعتداءً على الضحايا وحدهم، بل جريمة أدمت قلوب الأردنيين جميعًا، الذين عبّروا عن تمسّكهم بلحمتهم الوطنية الراسخة ورفضهم لكل محاولة لزرع الفرقة فيما بينهم.

الإرهابي يريد أن يقتل ضحاياه مرة بالرصاص، وأن يقتل المجتمع مرة أخرى بالخوف والفتنة، وواجبنا أن نمنعه من تحقيق الهدفين.

رحم الله شهداءنا، ومنح أسرهم الصبر والسلوان، وشفى المصابين، وحمى الأردن وأهله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى