الوقت لا يتسع قط
(1)
في دهاليز مدينة تحكمها السرعة، كان يوسف يجرّ خُطاه اللاهثة خلف الضوء المتلاشي في الأفق، حاملاً في حقيبته المهترئة مسودات رواية قيد الإنشاء، وأحلاماً مؤجلة تآكلت أطرافها.
كان يشعر أن النهار يهرب من بين أصابعه مثل رمل شاطئ عنيد؛ فكلما حاول إنجاز مهمة، التهمت تفاصيل العمل الروتيني في مكتبه ساعاتٍ من عمره.
في المقهى العتيق عند زاوية الحي، كانت سارة تجلس قبالته، تقلب فنجان قهوتها الذي بَرَد تماماً، وتنظر إليه بعتب صامت يختزل سنوات من الوعود المنسية بلقاء حقيقي لا تعكره المكالمات الطارئة.
على الطاولة المجاورة، كان العجوز مصطفى، صاحب المقهى، يرقب ضياعهما بأسف وهو يمسح الطاولات ببطء، وكأنه يرى في يوسف نسخة شابّة من نفسه عندما ترك قطار العمر يفوته.
"غداً سأبدأ الحياة، وغداً سأمنحكِ الوقت الذي تستحقينه"، همس يوسف وهو يغلق حاسوبه المحمول، بينما كان الغسق يبتلع آخر خيوط الشفق الأحمر بنهم لا يرحم. التفتت سارة نحو النافذة وجمعت حقيبتها قائلة بنبرة مخنوقة: "الغدُ يا يوسف يأتي دائماً مرتدياً ثوب الأمس، والوقت قطار لا ينتظر المتأخرين". رحلتْ وتركتْه مواجهاً لظلال المكان، فلمح في مرآة المقهى خطاً فضياً من الشيب بدأ يزحف على مفرقه، معلناً بداية خريف العمر.
(2)
غادرت سارة، وترك رحيلها خلفها فجوة عميقة في فضاء المقهى، فبدا الفراغ الذي خلّفته أثقل من جدران المكان العتيق. جلس يوسف وحيداً، يحدق في بقعة القهوة الجافة على حافة فنجانها، ويشعر بثقل غريب يجثم على صدره، كأن الهواء نفسه أصبح شحيحاً وضيقاً.
في تلك اللحظة، اقترب العجوز مصطفى بخطواته الوئيدة، حاملاً في يده خِرقة قماشية بالية، ومسح الطاولة بهدوء يثير الأعصاب، ثم التفت إلى يوسف بنظرة تفيض بالأسى والحكمة وقال بصوت مبحوح: "يا بني، في هذه الحياة، نحن لا نفقد الأشخاص لأننا لا نحبهم، بل لأننا نؤجل منحهم الحضور، والغياب لا يستأذن أحداً عندما يقرر الاستيطان".
رنت كلمات العجوز في أذن يوسف كقذيفةٍ أيقظت فيه رعباً مدفوناً؛ رعب أن تمرّ السنوات ويجد نفسه وحيداً يمسح طاولات الخيبات في مقهى مهجور.
(3)
لم يحتمل يوسف جدران المكان، فدفع حسابه على عجالة وخرج إلى الشارع، حيث كانت المدينة تموج بحركة بشرية صاخبة؛ وجوه غريبة تهرع في كل الاتجاهات، كأنهم جميعاً يطاردون قطاراً سرياً لا يراه غيرهم. تداخلت الأصوات في مسامعه: أبواق السيارات غير المنتهية، نداءات الباعة المتجولين، وخطوات العابرين المتلاحقة على الأرصفة الباردة. كل شيء حوله كان يصرخ بالركض والسرعة، لكن لا أحد يصل في النهاية.
تذكر فجأة والده، ذلك الرجل الذي قضى أربعين عاماً في المناوبات الليلية بالمصنع، وكان يقول دائماً: "عندما أتقاعد سأصنع تلك السفينة الخشبية التي حلمت بها"، لكنه مات في الليلة الأولى من تقاعده دون أن يلمس لوح خشب واحد! هذه الفكرة جمدت الدماء في عروق يوسف، وجعلته يدرك بوضوح مرعب أن العمر ليس سوى خديعة كبرى نعيشها بالتقسيط الممل.
قرر أن يكسر هذه الدائرة اللعينة، فأخرج هاتفه ليتصل بسارة؛ يريد أن يخبرها أنه مستعد الآن لترك كل شيء، ومستعد للبدء فوراً في ترتيب فوضى حياته، لكن الخط كان يعطي نغمة الرنين المستمر دون إجابة، ثم تحول إلى البريد الصوتي.
في تلك الأثناء، اهتز الهاتف في يده معلناً وصول رسالة بريد إلكتروني عاجلة من مديره في العمل، سليم، يطالبه بمراجعة ميزانية الربع السنوي قبل الفجر، مذيلاً الرسالة بعبارة: "مستقبلك المهني يعتمد على هذه الليلة". وجد يوسف نفسه واقفاً في منتصف الطريق، ممزقاً بين صوت سارة المبتعد في ذاكرته، وصوت سليم الذي يمثّل قيد ما يعتاش عليه، ليكتشف أن الخيارات في هذه الحياة ليست سوى فخاخ منمقة تلتهم جوهر الوجود.
(4)
عاد إلى شقته الصغيرة، ورمى حقيبته على الأرض، ثم جلس أمام حاسوبه الذي يلمع بضوء أزرق شاحب يشبه ضياء المستشفيات. بدأ ينقر على لوحة المفاتيح بآلية خالية من الروح، وعيناه تلاحقان الأرقام والبيانات، بينما عقله يشرد نحو مسودات روايته الملقاة في زاوية الغرفة تحت أوراق كثيفة من الغبار.
تذكر شخوص روايته الذين تركهم معلقين في منتصف الأحداث منذ عامين، فشعر بالخجل منهم؛ فهم أيضاً ضحايا تأجيله المستمر وضيق وقته المزعوم. انقضت الساعات كأنها دقائق معدودة، وعندما لاح الفجر من وراء الستائر، أرسل الملف إلى مديره، فداهمه إحباط شديد بدلاً من شعور الإنجاز؛ فقد منح ليلته لشخص آخر، وسرقها من نفسه ومن سارة ومن أحلامه.
توجه نحو المغاسل ليغسل وجهه بالماء البارد علّه يستفيق من كابوسه اليقظ، وعندما رفع رأسه ونظر إلى المرآة، تملكه ذهول صاعق؛ لم يكن الخط الفضي الذي رآه في المقهى مجرد وهم من إضاءة المكان، بل لقد زحف الشيب بوضوح على جانب الصدغين، وبدت ملامحه أكثر تعباً، وكأن ليلة واحدة من القلق قد أضافت إلى عمره سنوات كاملة.
(5)
في تلك اللحظة بالذات، رن هاتفه، وكان المتصل العجوز مصطفى. انقبض قلب يوسف، وأجاب بصوت متهدج، ليأتيه صوت العجوز حزيناً: "يوسف، لقد تركت سارة هذه الرسالة لك في المقهى بالأمس، وطلبت مني ألا أسلمها لك إلا في الصباح.. إنها مسافرة الآن إلى الخارج، ولن تعود".
سقط الهاتف من يد يوسف على الأرض، وشعر أن أركان الغرفة تدور به ببطء كئيب. فتح الرسالة بأصابع مرتجفة عبر البريد الذي أرسله مصطفى كصورة، ليجد جملة واحدة كُتبت بخط يدها الرقيق: "لقد انتظرتك خلف أبواب الوقت كثيراً، لكنني أدركت متأخرة أن قصتك لا تتسع لي، وأن الوقت لديك لا يتسع قط لأي شيء جميل".
جلس يوسف على الأرض، والظلام يتلاشى تدريجياً ليفسح المجال لنهار جديد لن يغير من الأمر شيئاً، يحيط به غبار أمنياته المعلقة في الفراغ كجثث صغيرة تائهة، لتثبت له الأيام بالدليل القاطع أن التأجيل هو المقبرة الأنيقة التي ندفن فيها ما نحب بأيدينا.
