أسماء تنطفئ
في شتاء عام 1989، بدت المدينة كأنها أُخرجت للتو من حلمٍ مبلّل ولم تُمنح وقتًا لتجف.
الشوارع ضيّقة، والبيوت العالية تنحني فوق بعضها كأنها تُسرّ بما لا يُقال، والمصابيح الصفراء ترتجف في الضباب كنبضٍ خافت لا يطمئن.
وصل أمير عند الغروب، بحقيبة صغيرة ورسالةٍ لا يكاد عنوانها يُقرأ.
تأخر القطار طويلًا بسبب العاصفة، وحين وطئت قدمه الرصيف، دخل الهواء إلى صدره متثاقلًا، كأنه حُبس زمنًا ثم أُطلق على عجل.
في الساحة المركزية، جلست امرأة تحت عمود إنارة مائل، تحيط بها ساعات قديمة؛ بعضها متوقف عند أوقات لا تبدو عابرة.
توقّف قليلًا. كانت العقارب ساكنة، ومع ذلك توحي بحركة خفية.
رفعت المرأة رأسها دون أن تراه تمامًا، وقالت:
ـ لستَ من هنا.
ابتسم مرتبكًا، وكأن الكلمات أفلتت منه قبل أن تستقر، فاكتفى بسؤالٍ أقرب إلى همس:
ـ هل من فندقٍ قريب؟
لم تُجب مباشرة. رفعت يدها ببطء، وأشارت نحو آخر الشارع الذي يذوب في الضباب، حيث يتلاشى اسم "فندق الرياحين" قبل أن يثبت في العين.
ثم قالت، كأنها تُتمّ فكرة لا تخصه وحده:
ـ يبقى… لكن لا أحد يطيل البقاء فيه.
مضى.
كان المبنى رماديًا، بثلاث نوافذ مضاءة فقط، كعيونٍ لم تنم.
فتح له الباب رجل نحيل، بعينين زرقاوين مثقلتين بسهرٍ قديم. لم يعرّف نفسه، فقط وضع المفتاح في يد أمير وقال:
ـ الغرفة سبعة.
ثم أضاف، دون أن يغيّر نبرته:
ـ إن سمعت طرقًا بعد منتصف الليل… اترك الباب كما هو.
لم يبدُ الأمر مزحة، ولم يكن تحذيرًا كاملًا.
في الطابق العلوي، امتدّ الممر أكثر مما ينبغي، كأنه ينسى أين ينتهي. الضوء يتقطع، لا ينطفئ ولا يستقر.
داخل الغرفة، نافذة تُطل على ساحة خالية، شجرة وحيدة، ومصباح يتأرجح مع الريح كأنه يتردد بين البقاء والسقوط.
عند منتصف الليل، جاء الصوت.
ثلاث طرقات، متباعدة، كأنها تُقاس على شيء لا يُرى.
بقي واقفًا لحظة، ثم تحرّك. لم يكن القرار واضحًا، فقط كان هناك ما يدفعه.
فتح الباب.
لا أحد.
غير أن الممر امتدّ أبعد، وفي نهايته وقفت امرأة بمعطفٍ أحمر، تحت ضوءٍ يوشك أن يخفت.
لم تتقدّم، ولم تلتفت، ومع ذلك قالت:
ـ تأخرتَ يا أمير.
تردّد صوته:
ـ من…؟
لم تُكمل له السؤال. استدارت، ومضت.
تبعها، لا لأنه قرر ذلك، بل لأن الوقوف لم يعد ممكنًا.
نزلا إلى الشارع. المدينة أخفّ من أن تُمسك، والضباب يبتلع الحواف. المصابيح نقاط ضوء معلّقة في فراغٍ أبيض.
عند الجسر الحجري، توقفت.
ـ هذه المدينة تنسى بسرعة…
سكتت لحظة، كأنها تختبر الصمت، ثم أضافت:
ـ إلا من يحمل شيئًا لم يُسلَّم.
أخرج الرسالة. الشمع ما زال على حاله، والاسم في الداخل أثقل من أن يُقرأ بسهولة.
ـ إلياس… هل تعرفينه؟
نظرت إلى الماء. كان النهر يعكس الضوء مكسورًا، كأنه لا يحتفظ بشيء كامل.
ـ كان آخر من حاول الخروج.
رفعت يدها نحو البعيد.
البرج هناك، يعلو فوق الضباب، لكنه لا يثبت؛ يبهت طرفه كأنه يذوب في السماء.
ـ اذهب قبل الفجر. بعده… لن تجد ما تبحث عنه.
توقّف السؤال على شفتيه، ثم خرج بصوتٍ أخف:
ـ كيف تُغلق مدينة؟
التفتت نحوه أخيرًا. لم تكن ابتسامة بقدر ما كانت انكسارًا صغيرًا في ملامحها:
ـ حين لا يبقى لك اسم فيها.
اختفت.
لم يلحظ متى ابتعدت، فقط وجد نفسه وحيدًا تحت المصباح المرتعش.
في الماء، كانت الأضواء تتكسر ببطء، كأن الليل يُسقط نفسه قطعةً قطعة، ولا أحد يجمعه.
