سرف المداد
المفاهيم والاستنزاف النفسي
مهجتي التي استقر فيها التوتر، واستأثر بها، وملك عليها كل شيء، ما زالت تواصل التعثر والنهوض في قرارتها، هذا التوتر الذي لا يمكن إقصاؤه في مناطق شتى منها، قد عقد تحالفات مع نخب فقدان الشغف، وتبلد المشاعر، وتراكم الضغوط، خشية أن ينقلب عزمي عليها، "وحلف الإرادة" التي أوصدت تلك العوامل والمؤثرات، كل باب كان يقويه، بات يعاني من العدوان، والضبابية، والاضطراب، فهو لم يحل، أو يسع أن يحل تلك المشكلة الجاثمة أمامه، بل ارتضى في خنوع، وذلة، بأن يحتفل هذا "التوتر السمج" بتفوقه على غيره من تلك الدوائر التي تعكر صفو حياتي، والتي لا سبيل إلى تنقية جوهرها، أو إصلاح ما فسد من طبعها.
لم يكن يربطني -فيما مضى- أي صلة بهذا "القلق" الذي أمسى صخبه الآن يشكل دلالة، ووقعًا صوتيًا، ومعنى، والذي يحتاج إلى درس دقيق، مفصل، مستقصٍ، كأروع ما تكون الدقة، والتفصيل، والاستقصاء، كما قال عميد الأدب العربي في إحدى سموطه، فالذات التي كانت تخرج الكامن في جوفها من الأثقال النفسية لأخدانها، أخذت تتطلع إلى معرفة تصوراتها، وتتحرى السبل التي تصرفها عما تعودت عليه من خوف، وجزع، حتى تئد ذلك الإحساس الذي ينهكها ويضنيها، الإحساس بالتصدع، والتلاشي الذي يسيطر عليها، لقد غطى عليها هذا الشعور جميع ميادين الحياة التي تعيشها، وأمست نزعاته وتصرفاته، مثار هولها وتوجسها، هي الآن تبتغي أن تستأصله لتمضي حياتها مصفوفة في نظام، وأن تضع خطتها المحددة الأطر، المرتبة النقاط، التي تكفل لها، أن تطمس معالم الإحباط والضجر، والخيبة، واليأس، والقنوط، وأن تعيد توجيه روحها اللاغبة على تعدد منازعها، وكثرة معتقداتها، توجيهًا جديدًا، يتيح لها أن تذعن لأجمل المثل العليا، وأسناها، وأفضلها، تلك القيم التي تخرجها عن بوتقة التخبط، والحيرة، والارتباك، التي كانت غارقة فيها بالطول والعرض، كل هذه العلل لن تتمكن من كسر بنيتها، وتتخلص من قيودها وتبعاتها، وتدشن قطيعة معها، إلا إذا خضعت "لاعتدال" يصد عنها هذا التناقض، وهذا التباين الذي لم تتوفر إمكانية صياغته في السابق، "اعتدال" ينطوي في واقع الأمر على ضرورة تتجاوز الموروث القديم الذي لا تتطابق معطياته الأساسية مع قيمنا، وتتنافى ثوابته مع واقعنا الاجتماعي، إذن لن تجد هذه النفس المكدودة الأمن والرضا، إلا بتشييد موروث هو أصلًا متغلغل في عقلها ووجدانها، ونافذ في فكرها وسلوكها، موروث حققه الإسلام عند أول ظهور له في الجزيرة العربية، هذا الموروث حتمًا سيحقق لها التوازن والاتزان الذي تبحث عنه، وسيدفع عنها التواء الفكر، وفقدان الأصالة، وتشوه الهوية، الذي تردت فيه حينًا من الدهر.
إن النفس البشرية على اختلاف مذاهبها ومشاربها الفكرية، لن تتقلص فيها تلك الفوارق والمنغصات، التي تخترق عاطفتنا الأساسية، إلا إذا نشبت الخصومة بينها وبين كل "فكر" ماهية المآل فيه غامضة، ولم يوحِ لنا هذا "الفكر" الذي لا يتعلق سوى بأشكال بسيطة من العمق، أن "أوتار" تلك الألفة الطويلة التي تربطنا بالحياة ستنقطع يومًا ما، رغم حبنا لها وشغفنا بها، باعتبار أن الحياة بكل ما فيها ماضية إلى الموت، كما أن أي منظومة فكرية لا تسمح لنا بالانتظام في سلك التدبر، والتدرج في مراتبه، كما يفعل موروثنا الديني، الذي لا يضيق بذلك التروي أو يتبرم منه، يجب تجريدها من أوهامها، والتحقق من أن أخلاقنا سوف تسوء وتقبح، طالما نحن نرمقها بقلب متيم، ونفس هائمة.
إن الحقيقة التي تجعل الأمراض والأسقام تسري فينا، وتقض علينا مضاجعنا فلا ننام ليلنا، هي الشروح والمتون التي نتصل بها، فهي التي تجعل جباهنا مرفوعة إلى السماء، أو أعيننا شاخصة إلى البسيطة لا تتعداها، هي التي في الحق تجعل حياتنا على قصرها، وحقارتها، حافلة بكل ما يجعل عقولنا تمعن، وتوغل، وتتأثر بأصول، ومعايير تستوحيها من الآخر وتخضع لها، هذه النظم بلا شك أو ريب، أسباب مباشرة للاضطراب النفسي، ولضروب مروعة من الشدة والضيق لا نهاية لها، وحتى تسير حياتنا هادئة سليمة، لا ضجة فيها ولا نشوز، يجب أن يكون الباعث الذي يدوي في دواخلنا، ويلح علينا، هو اتباع فكر يكون رصفه وأنساقه، لا يختلط بأوضار الانحدار، وأن يكون هديه زينات مرفوعة، وأعلامًا منشورة، يشفي النفس الإنسانية من علاتها.
