هاتِ لي ذاكرةً
هاتِ لي ذاكرةً،
لا لتكونَ مخزناً للأسماءِ والتواريخِ،
بل لتكونَ جمالاً..
يحملُ عني حقيبةَ الغيابِ الثقيلة.
نحتاجُ ذاكرةً "خفيفةً"،
بلا زوايا حادةٍ،
تنزلقُ عنها المآسي كقطراتِ مطرٍ على زجاج،
وتحتفظُ فقط..
بلمعةِ المفاتيحِ في جيوبِنا،
وبرائحةِ الخشبِ حين يمسُّه المطر.
تَعالَيْ نصحبُ بعضَنا،
أنا، وأنتِ، وهذا الصمتُ الممتد،
نمشي كأننا نبتكرُ الطريقَ لأولِ مرة؛
نُسقِطُ من ذاكرتِنا المدنَ التي خذلتنا،
والوجوهَ التي تشابهتْ حتى انمحت،
ونبني من الحنينِ بيتاً..
بلا جدرانٍ،
وبلا أبوابٍ تخشى الريح.
أعِدْ رَسْمَ المشهد:
اجعلِ النسيانَ مادةً ناعمةً كالرمل،
نطأُ فوقها دون أن نتركَ أثراً يتبعُنا،
واجعلِ التذكرَ..
فعلَ "حضورٍ" لا فعلَ "استعادة"؛
فنحنُ لا نعودُ للوراء،
نحنُ نأخذُ "الوراءَ" معنا..
نصقلهُ كحجرٍ كريمٍ،
ونضعهُ في جيوبِنا كتميمةٍ للنجاة.
رُدِّي لي تلكَ الذاكرة،
التي حين ننظرُ إليها..
لا نرى ما فقدناه،
بل نرى كلَّ ما صارَ "نحنُ"
في هذهِ اللحظةِ العابرة.
