الأحد ٤ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

أثر بين الأماكن

في الشقة، كان الزواج جديدًا مثل طلاء لم يجف بعد، يلمع حين يُنظر إليه ويترك أثر الأصابع حين يُلمس. الرجل، الذي ما زال يحاول معرفة نفسه، يهمس باسمه كل صباح أمام المرآة، كصدى مستعار من جدار غريب. أحيانًا يظن أن الجدران تبتسم له خفية، تراقبه حين يغفل، وتجمع كلماته لتعيدها متأخرة، فتختلط الحقيقة بالهمس. المرأة تتقن الصمت كحرفة قديمة، تعرف متى تشد خيوطه ومتى تتركه ينسدل بين الأشياء. الشقة تحفظ أنفاسهما وتعيدها مشوشة، كأنها عقل ثالث يسمعهما دون أن يفهم، ويفهم دون أن يعترف، يبدل أماكن الأثاث ليلًا ثم يتظاهر بالبراءة نهارًا.

في الزاوية، ساعة بلا عقارب، قرصها أبيض مثل عين مفتوحة لا تغلق، تتغير بحسب الزوايا والانعكاسات. قالت: "الوقت يراقبنا."

قال: "إذا تحرك، سننكر، وسنقول إن الحركة كانت مجرد وهم."

تحت الشرفة، يظهر أبو أحلام، وكأنه جزء من الشقة نفسها. يحمل مفاتيح أكثر مما يلزم، مفاتيح لا تفتح إلا الذكريات، ويبيع أشياء لا تُستعمل: ملاعق تمحو الوجوه، إسفنج يمتص الذاكرة، ومكانس تطيل الأشياء العابرة. يعرف الزوجين قبل أن يعرفا بعضهما، ويحيي الفراغ الذي سيقفان فيه بإيماءة عابرة كتحذير مؤجل.

قال للرجل يومًا، وهو يعطيه كيسًا فارغًا: "البيوت لا تُسكن، هي التي تختار، وحين تختار لا تعلن، بل تغيّر ترتيب النوم."

في صباح اليوم التالي، بدا الجو غريبًا أكثر، نسيم الشارع يمرّ خفيفًا بين الستائر وكأنه يحمل همسات الأزقة القديمة قبل أن نراها نحن. قرر الزوجان الخروج إلى الحديقة العامة، فجوة خضراء في جسد المدينة، جرحًا مفتوحًا تضع فيه الأشجار أصابعها. جلسا على مقعد متشقق، الشقوق خرائط لطرق لم تُسلك، الأشجار تميل بأغصانها لتسمع أكثر، والأطفال يركضون كإشارات ضائعة. حين ضحكت الزوجة، ضحكة خرجت متأخرة عن سببها، سقط طير ميت قرب قدميها، جناحاه ممدودان كأنه يحاول تذكر الهواء.

قال الرجل وهو يبعد الطير بطرف حذائه: "المصادفات تتعلم منا، تراقب أخطاءنا ثم تعيدها علينا بصيغة أدق."

بعدها توجه الزوجان إلى السوق القديم، حيث تختلط الأصوات كالشفرة، والروائح تتصارع على الذاكرة. الزوج يضيع نفسه بين الباعة، يسمع اسمه يتردد على ألسنة غرباء ثم يختفي، والزوجة تشتري مرآة مشروخة ترى فيها امرأة أخرى تلوح، ترفع يدًا ليست يدها، وتبتسم بفم يعرف الأسرار قبل وقوعها. دفعت ثمن المرآة بعملة باردة، وحين وضعتها في الكيس شعرت بأن ثقل المكان قد انتقل إليها.

كما لو أن أبو أحلام يتبعهما، ظهر فجأة في السوق، يضع في كيسهما شيئًا لم يطلباه، ملفوفًا بورق بني وربطه بخيط رفيع. قال: "هذا للعودة." صوته كان مثل باب يُغلق بهدوء. لم يسألاه: إلى أين، لأن السؤال كان سيُقال بدلًا عنهما.

في المستشفى، الأبيض يضغط على العين حتى تمحو الألوان الأخرى، والهواء الرطب ينشر صمتًا ثقيلًا. سرير، رقم، ممر طويل كجملة لم تكتمل، تمتد وتتعثر عند كل زاوية. الطبيب يتحدث بلغة الأبواب والنوافذ، يفتح ويغلق، يشير إلى الخارج دون أن يسميه. الزوجة تنام نومًا يشبه التراجع خطوة إلى الداخل، والزوج يستيقظ داخلها، يشعر بأن جسده صار ممرًا، يسمع قلبًا إضافيًا يدق، لا يعرف لمن ولا يجرؤ على العد.

عادا إلى الشقة، والعودة لم تكن طريقًا بل انزلاقًا. الساعة بلا عقارب تبتسم ابتسامة خفيفة، كأنها تواطؤ صامت. الكيس الذي أعطاه أبو أحلام يفرغ نفسه على الطاولة: مفتاح واحد، بلا باب، بارد كأنه خرج للتو من فم الليل. حاول الرجل وضعه في جيبه، فوجد الجيب أعمق مما يتذكر.

في الخارج، الحديقة تصفر، السوق يغلق فمه، والمستشفى يتنفس ببطء، كحيوان تعلم الصبر. قالت الزوجة، وهي تلمس الجدار كمن يتأكد من نبضه: "هل نحن هنا؟"

قال الرجل، وهو ينظر إلى الساعة التي لا تشير: "نحن ما تبقى، وما تبقى عادة لا يعرف إن كان شاهدًا أم أثرًا."


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى