الجمعة ٣٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

الجسد والسلطة والاستعمار

الجسد والسلطة والاستعمار: قراءة نقدية في تاريخ البغاء بمصر الحديثة

قراءة تاريخية وسوسيولوجية نقدية موسعة في كتاب فرانشيسكا بيانكاني "العمل الجنسي في مصر الاستعمارية: النساء والحداثة والاقتصاد العالمي"

Sex Work in Colonial Egypt: Women, Modernity and the Global Economy

المؤلفة فرانشيسكا بيانكاني (Francesca Biancani)

الناشر: I.B. Tauris، لندن ونيويورك، 2018.

لا يقدم كتاب "العمل الجنسي في مصر الاستعمارية: النساء والحداثة والاقتصاد العالمي"، للمؤرخة فرانشيسكا بيانكاني، الصادر عن دار I.B. Tauris سنة 2018، مجرد تاريخ للبغاء في مصر خلال الاحتلال البريطاني، وإنما يتخذ من هذه الظاهرة مدخلا لفهم التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع المصري منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. فالكتاب معني أساسا بكيفية تحول البغاء من نشاط اجتماعي عرفته فترات تاريخية سابقة إلى ظاهرة تخضع للتنظيم القانوني والفحص الطبي والرقابة الأمنية، ثم كيف أصبح إلغاؤه جزءا من الصراع حول الاستقلال والهوية الوطنية والأخلاق العامة. ومن خلال سبعة فصول، تحاول المؤلفة الكشف عن العلاقة بين الاستعمار والدولة والمدينة والنساء، مستندة إلى وثائق الشرطة والمحاكم والقنصليات الأجنبية والتقارير الطبية والصحف والجمعيات الإصلاحية.

تنطلق المؤلفة من فكرة أن الاحتلال البريطاني لم يخلق البغاء في مصر، لكنه أسهم في إعادة تنظيمه وإخضاعه لأشكال حديثة من الرقابة. وتستعين بأفكار ميشيل فوكو حول السلطة والانضباط والسياسة الحيوية لتفسير اهتمام الدولة بتسجيل النساء ومراقبة أجسادهن وتحديد الأماكن المسموح لهن بالعمل فيها. فالمرأة التي كانت تمارس نشاطا اقتصاديا غير مستقر أصبحت، من وجهة نظر الإدارة، تنتمي إلى فئة محددة لها سجلات وتصاريح وفحوص وعقوبات. وهنا تكمن إحدى أفكار الكتاب المهمة، وهي أن السلطة لا تكتفي بمراقبة الواقع الاجتماعي، بل تسهم في إعادة تصنيفه وتحديد الفئات التي تعتبرها خطرا على النظام العام.

وفي الفصل الأول تربط بيانكاني انتشار البغاء بالتحولات الاقتصادية والعمرانية التي شهدتها القاهرة، خصوصا مع اندماج مصر في الاقتصاد العالمي واتساع النشاط التجاري والاستثماري. فقد جذبت المدينة أعدادا كبيرة من المهاجرين المصريين والأجانب، بينما أدت التحولات الاقتصادية وتراجع بعض الأنشطة التقليدية إلى زيادة هشاشة الفئات الفقيرة، وخاصة النساء. ولم تكن فرص العمل المتاحة لهن كثيرة أو مستقرة، إذ انحصرت غالبا في الخدمة المنزلية والخياطة والأعمال الصغيرة. وفي ظل هذه الظروف لجأت بعض النساء إلى البغاء بوصفه مصدرا للدخل، أحيانا لإعالة أنفسهن، وأحيانا للمساهمة في الإنفاق على أسرهن. وتوضح المؤلفة أن هذا النشاط لم يكن دائما نتيجة الانفصال عن الأسرة، بل قد يكون مرتبطا بالتزاماتها الاقتصادية نفسها.

وتلفت الدراسة النظر إلى أن النساء الأجنبيات لم يكن جميعهن ينتمين إلى طبقات ميسورة. فقد جاءت إلى مصر مهاجرات فقيرات من إيطاليا واليونان وفرنسا وغيرها بحثا عن العمل، ووجدت بعضهن أنفسهن داخل شبكات الاستغلال والاتجار بالنساء. ومع ذلك ترفض المؤلفة تصوير جميع العاملات باعتبارهن ضحايا للخداع أو الإكراه، مشيرة إلى أن ظروف الدخول إلى النشاط اختلفت من حالة إلى أخرى. وهذه معالجة مهمة لأنها تكشف تنوع التجارب النسائية، لكنها تحتاج إلى الحذر من المبالغة في تفسير بعض القرارات باعتبارها اختيارات حرة، خصوصا عندما تكون البدائل الاقتصادية محدودة أو تكون المرأة واقعة تحت ضغط الأسرة والوسطاء والعنف.

وينتقل الفصل الثاني إلى جغرافية البغاء داخل القاهرة، مركزا على الأزبكية والمناطق المحيطة بها، مثل الوسعة ووش البركة. وتكشف المؤلفة مفارقة واضحة في المدينة الحديثة؛ فالمناطق التي ضمت الفنادق الراقية والمسارح والمقاهي ومظاهر الحياة الأوروبية كانت قريبة أيضا من بيوت البغاء المرخصة. ولم تنجح محاولات السلطات في حصر النشاط داخل شوارع محددة، إذ استمر انتشاره في مناطق أخرى، وظهرت بيوت سرية في أحياء مختلفة. وترى بيانكاني أن تقسيم المدينة إلى أماكن محترمة وأخرى منحرفة لم يكن مجرد إجراء عمراني، وإنما وسيلة لفرض تصورات طبقية وأخلاقية عن المجال العام. لكن هذا التفسير لا يكفي وحده لفهم اعتراض السكان على وجود تلك البيوت قرب مساكنهم ومدارسهم، إذ قد تنطوي هذه الاعتراضات كذلك على مخاوف حقيقية من العنف والاستغلال والاضطرابات اليومية، وليس مجرد الرغبة في استبعاد الفئات الفقيرة.

أما الفصل الثالث فيتناول التنظيم القانوني والطبي للبغاء، منذ المنشور الصادر سنة 1882 وما تبعه من لوائح. فقد فرضت السلطات تسجيل النساء وإخضاعهن للفحوص الطبية، وحددت شروط إقامة بيوت البغاء وإدارتها. وكانت حماية الصحة العامة، وخاصة منع انتشار الأمراض التناسلية، من أهم المبررات المعلنة لهذه الإجراءات. غير أن النظام واجه مشكلات تتعلق بضعف الإمكانات الطبية واتساع النشاط السري والتمييز بين المصريات والأجنبيات. فقد خضعت المصريات لرقابة أكثر صرامة، بينما استفادت أجنبيات كثيرات من الامتيازات القنصلية التي حدت من قدرة السلطات المصرية على إخضاعهن للإجراءات نفسها. وهكذا أصبح النظام عاجزا عن تحقيق المساواة القانونية، كما أخفق في تحقيق أهدافه الصحية المعلنة.
وتكشف هذه المعالجة عن أحد التناقضات الأساسية للاستعمار؛ فقد ادعى إقامة نظام حديث يقوم على الإدارة والقانون، لكنه حافظ على امتيازات تميز بين السكان بحسب الجنسية والموقع السياسي. ومع ذلك فإن تفسير التنظيم الطبي باعتباره مجرد أداة للسيطرة يحتاج إلى قدر من التوازن، لأن مواجهة الأمراض المعدية تمثل مصلحة اجتماعية حقيقية. والمشكلة لم تكن في الاهتمام بالصحة العامة، وإنما في القسر والتمييز ونقص الموارد والوسائل التي استخدمت لتحقيق هذا الهدف.

ويعد الفصل الرابع من أكثر أجزاء الكتاب ثراء، لأنه ينتقل من القوانين إلى حياة النساء اليومية، ويميز بين البغاء المرخص والنشاط السري والعلاقات الجنسية المأجورة المرتبطة ببعض أماكن الترفيه. وتعرض المؤلفة أوضاع النساء داخل البيوت، وعلاقتهن بأصحابها والوسطاء والزبائن، وتكشف التداخل بين العمل والاستغلال والتبعية المالية. كما تستعين بقضايا المحاكم لإظهار محاولات النساء الهروب من الرقابة أو التفاوض بشأن أجورهن أو مقاومة بعض أشكال الاستغلال. وتكتسب هذه الشهادات أهميتها لأنها تمنحنا لمحات من حياة نساء نادرا ما تركن روايات مكتوبة عن تجاربهن. لكن هذه الأصوات تصل إلينا من خلال وثائق حررها رجال الشرطة والقضاة والإصلاحيون، بما يجعلها شهادات غير مباشرة، لا يمكن فصلها تماما عن نظرة المؤسسات التي سجلتها.

وتناقش المؤلفة كذلك عالم الغناء والرقص والمقاهي الليلية، حيث اختلط العمل الفني أحيانا بالخدمات الجنسية المأجورة، دون أن يعني ذلك أن جميع العاملات في الترفيه مارسن البغاء. وتظهر الدراسة اختلاف أوضاع النساء داخل هذا العالم، بين من استطعن تحقيق الاستقلال الاقتصادي وامتلاك المنشآت، ومن بقين تحت سيطرة أصحاب العمل والوسطاء. وتتمثل أهمية هذا الفصل في رفض التعامل مع العاملات بالبغاء باعتبارهن جماعة متجانسة، لكنه يثير تساؤلا مهما حول مفهوم القدرة على الاختيار؛ فالقدرة على التفاوض أو الانتقال من مكان إلى آخر لا تعني بالضرورة التحرر من علاقات الاستغلال، وقد تكون مجرد محاولة لتحسين الوضع داخل ظروف قاسية.

وفي الفصل الخامس تتناول بيانكاني أثر الحرب العالمية الأولى والوجود العسكري البريطاني والأسترالي والنيوزيلندي في القاهرة. فقد أدى تدفق الجنود إلى زيادة الطلب على الترفيه والبغاء، وارتبط ذلك بمشكلات أمنية وصحية، أبرزها انتشار الأمراض التناسلية والاضطرابات التي شهدتها منطقة الوسعة. ووجدت السلطات العسكرية نفسها أمام تناقض واضح بين المحافظة على الانضباط الأخلاقي للجنود، وبين التعامل الواقعي مع سلوكهم وحاجتهم إلى الوقاية والعلاج. وقد ساعدت هذه التناقضات على تصاعد الانتقادات الموجهة إلى نظام البغاء المرخص، وفتحت المجال أمام المطالبات بإلغائه. ويكشف الفصل كيف أصبحت أجساد النساء موضعا للتدخل بدعوى حماية القوة العسكرية، في الوقت الذي لم تحظ فيه أوضاعهن الاجتماعية والإنسانية بالاهتمام نفسه.

ويتناول الفصل السادس نشاط الجمعيات البريطانية المعنية بالتطهر الأخلاقي ومكافحة الاتجار بالنساء. فقد أنشأت هذه الجمعيات مؤسسات لإيواء النساء والفتيات وتدريبهن على أعمال اعتبرتها مناسبة لحياة محترمة، مثل الخدمة المنزلية والخياطة. وتناقش المؤلفة تجربة ملجأ "بيت عربي" بالقاهرة، موضحة أن المساعدة كانت تقترن أحيانا بقواعد صارمة للطاعة والانضباط، وأن بعض النساء رفضن الحياة التي حاولت المؤسسات فرضها عليهن. وتبرز هنا مفارقة الإصلاح الأخلاقي الذي يسعى إلى إنقاذ النساء، لكنه لا يمنحهن دائما حرية تحديد مستقبلهن. كما توضح الدراسة اختلاف مواقف الجمعيات البريطانية، وارتباط بعض الاتجاهات النسوية المصرية بقضية السيادة الوطنية، خصوصا عندما كانت الامتيازات الأجنبية تعرقل محاسبة المتورطين في استغلال النساء.

أما الفصل الأخير فيتناول تحول البغاء إلى قضية سياسية ووطنية، خصوصا بعد ثورة 1919. فقد أصبحت الصحافة المصرية ساحة لمناقشة علاقته بالأخلاق والصحة والأسرة والاحتلال، وبرزت حملات شارك فيها إصلاحيون دينيون ووطنيون ونسويات. وتناقش المؤلفة دور الشيخ محمود أبو العيون، والتغطية الصحفية لقضايا مثل إبراهيم الغربي، وكيف تحولت بعض الشخصيات إلى رموز للانحراف والخطر الاجتماعي. وترى أن المطالبة بإلغاء البغاء ارتبطت بإعادة تعريف المجتمع الوطني، وبمحاولة التخلص من مظاهر ارتبطت بالاستعمار والوجود العسكري الأجنبي. وقد انتهت هذه التحولات إلى إغلاق بيوت البغاء في أواخر الأربعينيات، ثم صدور تشريعات أكثر تشددا في السنوات التالية.

غير أن تفسير الإلغاء بوصفه محاولة لاستعادة الشرعية السياسية لا ينبغي أن يحجب تعدد الدوافع الاجتماعية التي وقفت وراءه. فقد كانت هناك اعتراضات دينية وأخلاقية، ومطالب حقيقية بمواجهة الاتجار بالنساء والاستغلال والعنف، فضلا عن الانتقادات الطبية لفشل نظام الترخيص. وليس من الدقة اختزال هذه المطالب جميعا في الرغبة في فرض السيطرة على المجتمع، كما أن ارتباط بعض القيم بالهوية الوطنية لا يجعلها بالضرورة مجرد أدوات سياسية.

وتكمن القيمة الأساسية للكتاب في جمعه بين التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وفي قدرته على كشف التناقض بين خطاب الحداثة الاستعمارية وممارسات التمييز والرقابة. لكنه يعاني من ميل واضح إلى توسيع تفسير السلطة والانضباط ليشمل ممارسات اجتماعية مختلفة، بعضها لا يمكن فهمه بعيدا عن الاعتبارات الصحية والأخلاقية والإنسانية. كما أن اعتماده على الوثائق الرسمية والقنصلية، رغم ثرائها، يجعل أصوات النساء محدودة، ويصعب معه تعميم النتائج على جميع العاملات أو على المجتمع المصري كله.

وفي النهاية، لا يقدم كتاب بيانكاني تاريخا نهائيا للبغاء في مصر، لكنه يفتح طريقا مهما لفهم المجتمع من خلال فئاته المهمشة. فهو يبين كيف تداخل الفقر والهجرة والاقتصاد العالمي مع الاستعمار والطب والقانون والأخلاق، وكيف أصبحت حياة النساء مجالا للصراع بين سلطات ومصالح متعددة. وتظل أهميته في الكشف عن أن الحداثة لم تكن مجرد تقدم عمراني ومؤسسي، بل صاحبتها أشكال جديدة من التفاوت والرقابة. ومع ذلك تبقى القراءة الأكثر توازنا هي التي تميز بين ضرورة مواجهة الاستغلال وحماية المجتمع، وبين استخدام هذه الضرورة لتبرير التمييز والقهر، فلا تحول النساء إلى مجرد ضحايا عاجزات، ولا تخلع على ظروفهن القاسية صورة زائفة من الحرية والاستقلال.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى