الصّبْر طيّب
*"ما مِن امرأة في هذا الوجود إلّا وتحنّ لطفل يملأ عليها حياتها، وينثر العبير والسوسن على شرفات أحلامها، ويدغدغ كلّ ذرّة من كيانها، ببوح من الحبّ النديّ.
إنّها الأمومة، تُغرَس في نفس كلّ أنثى منذ الطفولة، فتراها وهي طفلة تصنع من الخرق البالية لعبة صغيرة، وتضعها على صدرها وتحملها بين يديها، وكأنها طفلة حقيقيّة لها".
*قالت هذه الكلمات والدمعة في مآقيها، والغصّة كانت تبتر كلماتها، وتجعلها متقطّعة يشوبها الألم والحسرة. وأنا أصغي لها وبقلبي اللهفة لسماع المزيد، طالبتها بالاسترسال في قصّتها، قالت:" عرفتُه كما لو أني ما عرفْت أحداً غيره، رسم لي الأماني العراض، وفرش دروبي كلّها بالورد والرياحين، لكنّ القدر شاء ألّا تستمرّ حياتي على نحو ما أريد، فتبدّدت الأحلام وعلتْ دروبيَ الأشواك، وكان ما كان". قلت: لم أفهم ما تعنين. قالت: "إنه الفراق الأبديّ بيني وبينه، كان يحلم مثلي بطفل لينعم بدفء ابتسامته، وعذوبة مناغاته، لكنّه كان يكتم هذه الرغبة ما بين ضلوعه، ويُظهر لي كلّ ودّ واحترام. وما إن مضى عامان على زواجنا، حتى راحت الألسن تلهج بحدّة في أذنيه، وتكوي مسامعه بلهيب من الكلمات اللاذعة: "لماذا لا تتزوّج غيرها"؟ "يجدر بها أن تنجب لك طفلاً"
"أما ترى فلاناً قد أصبح عنده رعيل من الأولاد" "طلّقها يا أخي وتزوّج غيرها فتاة ولوداً". وعلى هذه الشاكلة من الأقاويل المغرضة المهدّمة، بينما هو لا يبالي بما يسمع، بل كان دائم الوداد والحبّ لي. قد تقول: أما عرضتُما حالتكماعلى طبيب مختصّ؟ نعم كان ذلك، وكان تأكيد الطبيب على صحّة وسلامة كلّ منا، سوى بعض الضعف عندي، لكنه أكّد على أن الإنجاب سيتمّ، وأن المسألة تحتاج لقليل من الصبر والأناة. وضرب لي بعض الأمثلة على ذلك، شعرتُ بالراحة عند سماعها، ورحتُ أقصّ على زوجي ما سمعت. ومضتِ السنون، وغدونا في العام الثامن لزواجنا، ولكن دون أن نكحّل أعيننا بطفل يبعث الإشراق في حياتنا. أمّا تلك الألسن، فكانت لا تزال تصرّ على هدْم عشّ زوجيّ هادئ، إلى أن تمّ لها ما أرادتْ، وكان الفراق".
*أصغيْت لها، وأنا أتألّم من أعماقي، لِما روتْ لي، وراح خاطري يستعيد قصّة المرأة التي ظلمها زوجها لعدم إنجابها، والتي نظمها شعراً باللغة المحكيّة البدويّة
الشاعر "عمر الفرا"، وتذكّرت قوله على لسانها:
أشتهي مثلكْ طفلْ ينده لي ماما
لُو حبا مثلْ الغمامه
تْفتّحْ بْدنيا حياتي
تْزَهِّرْ ورود الخزامى
تْزوّجْ وْخلّيني عندكْ
أَفرحْ بْفرحِةْ وَلَدْكُمْ
أُوهبو عمري عسى يِلقى السلامه.
*فرثيتُ لحال هذه المسكينة. ومِن غمرة الذهول، أفقتُ على نداء امرأة أخرى لِمحدثتي تستعجلها بالذهاب لابنها الصغير، الذي يبكي بكاء مرّاً، فهبّتْ بسرعة، وراحتْ تجري وهي تقول وكأنّها توقّعت سؤالي: "إنّه ابني، لقد تزوّجتُ مرّة ثانية، وأنجبتُ، أما سمعتَ بأنّ الصبرَ طيّبٌ؟؟!!
