الأربعاء ٢٨ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم حسن نور الدين صيادي

الكتاب

* أم العيال استشاطت غضباً، عندما رأتني أخصّص من ميزانية الشهر مبلغاً من المال لشراء كتاب. وعندما سألتها عن السبب أجابت: يمكنك بهذا المبلغ الذي ستنفقه على شيء لا يسمن ولا يغني، أن تشتري لنا به جبناً أو زيتاً للمكدوس أو لباساً للأولاد، ما الفائدة التي ستجنيها من ابتياعك لكتاب؟ وإذا أردت القراءة عليك بالمركز الثقافي، فستجد به ما تريد من الكتب... هدّأتُ من حدّة غضبها، لأني رأيتُ في كلامها بعض الصواب، لاعتبارات كثيرة، فالمرتّب الشهريّ، لا يمكنه أن يفي بالأقساط الشهريّة، وبعض المتطلّبات المنزليّة، فكيف نخصّص مبلغاً منه لشراء كتاب؟ ثم مسألة الأسعار الباهظة للكتب، حيث يخطر ببال كلّ من يهتمّ بالإطلاع والثقافة أن تكون لديه أمّات الكتب، وما إن يحاول شراءها، حتى يصدم بأسعارها المرتفعة...

* أذكر أنّي شاهدتُ أكثر من لقاء أجرته إحدى المذيعات في البرنامج التلفزيوني (آخر المشوار)، الذي يعرض في القناة الثانية، حيث سألت أحدهم عن الهديّة التي يمكن أن يقدّمها لصديقه، فقال: أقدّم له حاجة يمكن أن يستفيد منها، قالت: ألا تقدّم له كتاباً؟ قال لا أعتقد أنه بحاجة للكتاب، مثل حاجته لشيء يمكن أن ينتفع به، وأنا معكِ بأن الكتاب أكثر نفعاً من أيّ شيء آخر، لكن ألا ترين معي قلّة الاهتمام بالمطالعة حالياً، وسألت آخر نفس السؤال، فأجاب دون مقدّمات: ولماذا أهديه كتاباً، طالما أننا لا نجد إقبالاً على القراءة؟ ولدى سؤالها لآخر، أجاب عن فوائد الكتاب وما يعطيه للفكر من غذاء تنويريّ وروحيّ، وقفل إجابته بقوله، عن قلّة الاهتمام بالمطالعة.

* أمّا صاحبي فقد برم من وجود الكتاب عندما دخل غرفتي وأعطاني درساً عن عدم فائدة ولعي بالكتاب. ربّما أن هؤلاء مصيبون في آرائهم إلى حدّ ما، فالركض وراء متطلّبات الزوجة والأولاد، وما تتطلّبه الحياة، يدفعنا إلى التهاون في تثقيف النفس والفكر، لكن هذا التهاون يجرّ انعكاساته على حيواتنا، ويجعل فكرنا في فقر واضمحلال. وقناعي وقناعة الشريحة الواسعة في مجتمعنا، وحتى هؤلاء الذين يقفون في وجه القراءة أن غذاء الفكر أسمى وأجلّ.

* ألم يصف الجاحظ الكتاب بالأنيس والمعرفة والقرين والدخيل والزميل والوزير والنزيل والبستان والروضة والكاتم للسرّ والجار الأمين والمعلّم والصاحب، إلى غير ذلك من الصفات، حيث قال: "الكتاب نعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة،ونعم القرين والدخيل والزميل، ونعم الوزير والنزيل". ألم يعتبره المتنبّي — كما نعرف — خير جليس:

أعزّ مكان في الدنى سرج سابح
وخير جليس في الأنام كتاب

وهاهو المنفلوطي على أثر سياحته في كتاب، يعيش مع كلمات الشاعر "فيكتور هيجو" مخاطباً نابليون الأوّل، و يعيش مع الشاعر الفرنسي "لامارتين" منفرداً في منزله، لامؤنس له غير كلبه، ويعيش في عزلة "دي موسيه" في غرفته، بين دموعه وأحزانه، ويعيش في جلسة "كورني" الشاعر الفرنسي، أمام حانوت الإسكاف ينتظر ترقيع نعله ، ثم يقول المنفلوطي: "من لي في كلّ يوم بسياحة مثل هذه السياحة؟".

* فالكتاب زاد الفكر وغذاء ومهذّب للنفس، وقطار ينتقل بنا في أجواء المعرفة، ويشحن أفئدتنا بالقوّة، وعقولنا بالنور، وينقلنا إلى رحاب الحضارات والبطولات.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى