الخميس ٢٩ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم عارف عبد الرحمن

جسدي منفى، والكلمات بيتي

أنا ذاتٌ هائمة، لا قيد لها ولا موطن لهذا الجسد النحيل. نسيتُ اسمي في السجلّ المدني حين كنتُ في سوريا، ومنذ ذلك الحين لم أعد أعرف إن كنتُ قد فقدتُ اسمي، أم المكان الذي كان يجعلني جديرًا به.

في ميلانو، لا أحد يعرفني. أعبر الشوارع كأنني فائضٌ عن حاجة هذا العالم، ظلٌّ تأخّر عن صاحبه ولم يجد سببًا للعودة.
منذ زمن بعيد، تُركتُ وحيدًا، بلا شيء يربطني بغيري. صحبتي مئتا دولار، والزمن يمضي في صوت الذكريات.
أحمل غيمةً من برد بيتنا القديم. تتدلّى فوق رأسي كأنها سقفٌ صغير لبيتٍ لم يعد موجودًا. وحين تمطر ميلانو، ويتسرّب البرد إلى عظامي، أشعر أنني عدتُ إلى مكان ما، لكنني لا أعرف إن كان ذلك المكان بيتنا، أم جسدي الذي لم يغادره البرد أبدًا.

بيتي الآن هذه المدينة الصاخبة؛ شوارعها المبلّلة، نوافذها المضيئة، والوجوه التي تمرّ بي دون أن تتوقّف. أعيش بين أناس كثيرين، ولا أجد شاهدًا واحدًا على وجودي.

كأنني أحمل ميّتي معي،
وأمضي به إلى أماكن أكثر نورًا.

كلماتي تراقبني. كلّما اقتربتُ من شيء يشبه الحقيقة، أبعدتني عنه. تفتح بابًا ثم تغلقه، تمنحني استعارةً لأختبئ فيها، ثم تتركني وحيدًا أمام ما أردتُ قوله.

حتى لا يكتمل شيء.
لا هذا الشغف،
ولا حلم الحب،
ولا حتى هذا التعبير.

ومع ذلك، فإن قلبي يتمرّن الآن بطريقة مختلفة. يتعلّم لغةً لا أعرف قواعدها، ويصغي إلى شيء لا أستطيع تسميته. أتّبعه بلطفٍ ومرارة، بلا عزاءٍ ولا دلالة، بلا علامة.

الكلمات فارغة من معناها.
أقول: الوطن، فتبتعد المسافة.
أقول: الحب، فلا يحدث شيء.

أقول: الموت، فلا أعرف إن كنتُ قد اقتربتُ منه أم ابتعدت.

يا كلماتي،

كوني شهية. استهويني، ولو لمرة واحدة. لا تتركيني عند الباب، ولا تعيديني إلى نفسي كلّما حاولتُ الخروج منها.
هل أزيّن استعارةً بزهر اللوز؟

هل أعلّق هذا الحزن على غصن أبيض، وأنتظر أن يمرّ الضوء من خلاله؟

هل أصلبكِ على أثر الضوء؟

ومن سيكترث، غيرك، بهذه الزيادات؟

لقد تعلّمتُ التعبير بما أتيح لي من كلمات الحياة؛ بالشهقات النقيّة، وباليأس الذي ما زلتُ أيأس منه، وبالأشياء الصغيرة التي تظلّ عالقةً في الروح كشوكة.

أنا لا أهمل الكتابة لأنها ذاتي.

إنها عوني.

لكنني لا أستطيع أن أؤسر كلماتي وأضعها في زنزانة، ثم أطالبها بالحرية. لا أستطيع أن أجبرها على قول ما لا تعرفه، أو أن أطلب منها أن تنقذني من شيء لا اسم له.

أريدها أن تظلّ قادرةً على الهرب،
حتى لو تركني هربها وحيدًا.
يا حبّ،

وضّح لي ما لا يمكنني أن أُوضحه بالكلمات.

كيف يكون المرء حاضرًا دون أن يضطرّ إلى إثبات وجوده؟ وكيف يمكن لقلب أن يجد قلبًا آخر، دون أن يشرح له تاريخه كلّه، ودون أن يقدّم وثيقةً تثبت أنه يستحقّ البقاء؟

هل يكفي أن أكون هنا؟

أن أعبر الشارع، وأرفع ياقة معطفي في وجه البرد، وأتوقّف قليلًا أمام نافذة مضاءة، ثم أواصل السير، حاملًا غيمتي ومالي القليل واسمي الذي لا أعرف أين ضاع؟

هل يجب على المرء أن يفكّر وحسب؟

أن يعيش في رأسه، ويكتفي بمراقبة الحياة وهي تمرّ من تحته؟

ألا يُفتقَد وجوده؟

ألا يترك غيابه أثرًا صغيرًا في مكان ما؟ كرسيًّا لا يجلس عليه أحد، أو فنجانًا يبقى على الطاولة، أو شخصًا يلتفت فجأةً إلى الشارع لأنه ظنّ أنه سمع خطاه؟

أريد، ولو لمرة واحدة، أن أكون أكثر من ذكرى في رأسي، وأكثر من اسم نسيته إدارةٌ مدنية، وأكثر من جسد نحيل يعبر مدينةً لا تعرفه.

في المساء، حين يشتدّ المطر، أقف أمام نافذة مضاءة.

أرى ظلالًا تتحرّك في الداخل، وأتخيّل أن أحدًا ينتظر عودة شخص ما.

أبقى قليلًا، ثم أواصل السير.
وفي جيبي،
مئتا دولار،
وفي رأسي اسمٌ لا أتذكّره،
وفي مكان ما من العالم،
بيتٌ ما زال البرد يسكنه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى