في مدح أبي الطيب المتنبي
بَدِيْعٌ مِنَ القَولِ الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ
سَقَى خَاطِرَ الدُّنْيَا بِمَا هُوَ أَسْمَحُ
أَمِيرُ قَوَافٍ لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً
بِشِعْرٍ حَكِيمٍ لِلْهُمُومِ يُنَفِّسُ
إِذَا ما غَفَوْنَا أَيْقَظَتْنا قَصَائِدٌ
وَإنْ سَكَتَتْ أَفْكَارُنَا فَهْوَ يَصْدَحُ
نَرَى فِي ثَنَايَا القَولِ إِطْرَاقَةَ الحِجَا
لِأَنَّكَ فِيْهَا ِللحَقِيقَةِ تَجْنَحُ
فَلِلضَّادِ نَظْمٌ مِنْ قَوَافِيكَ مُرْهَفٌ
يَقُودُ إِلَى بَابِ الْبَيَانِ فَيفتَحُ
تَمُرُّ لَيَالِي الدَّهْرِ وَالحَرْفُ خَالِدٌ
عَلَى جَبْهَةِ التَّارِيخِ قَوْلٌ مُصَحَّحُ
إِذَا ما سَرَى لَحنُ القَوَافِي بِقَفْرَةٍ
فَثَمَّ البُحُورُ الجَارِيَاتُ تُمَتَّحُ
يُضِيءُ لَنَا دَرْبَ الحَيَاةِ بِحِكْمَةٍ
فَفِي شِعْرِهِ لَحْبٌ قَوِيمٌٍ مُوَضَّحُ
فَهَلْ عَرَفَتْ أَرضُ الكِتَابَةِ شَاعِراً
يَرُدُّ عَلَى الدُّنْيَا بِشِعْرٍ ويَنْصَحُ
فَدِيوانُهُ بَحْرٌ مِنَ العِزِّ زَاخِرٌ
بِهِ نَغْمَةُ الْإِحْسَاسِ تَسْرِي وَتَقْدَحُ
فَيَا خَيْرَ مَنْ أَلْقَى القَصِيدَ مُنَضَّداً
أَتَتْكَ المَعَانِي حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ
لِوَحدَةِ نَفْسِي مِنْكَ عِزٌّ وَرِفْعَةٌ
وَكُلُّ ذَكِيٍ لِلفَصَاحَةِ يَجْنَحُ
وَإِنْ غَابَ صَحْبِي فَالْبَيَانُ جَلِيسَهَا
وَحَرْفُكَ فِي الظَّلْمَاءِ نَجْمٌ وَأَوْضَحُ
أُعَلِّلُ أَيَّامَ اغْتِرَابِي بِقَافِيَةٍ
فَحَرْفُكَ لِلْقَلْبِ الحَزِينِ يُرَوِّحُ
فَيَا مَالِكَاً سِرَّ القُلُوبِ بِشِعْرِهِ
لَكَ الشِّعْرُ بَحْرٌ وَالبَلَاغَةُ مَسْرَحُ
يَظَلُّ مَقَامُ الحَرْفِ دُونَكَ سَافِلاً
فَمَا بَرِحَ الدَّهْرُ افْتِخَارَاً يُسَبِّحُ
سَلَامٌ وَإِجْلَالٌ عَلَى مَنْطِقٍ سَمَا
لَهُ كُلُّ فَخْرٍ فِي البَيَانِ وَمَمْدَحُ
وَإِنْ غَابَ عَنْ عَيْنِ الوُجُودِ فَإِنَّهُ
بِبَاقِي القَوَافِي نَاضِرٌ لا يَتَصَوَّحُ
سَقَى اللهُ قَبرَاً ضَمَّ شَيْخاً وَشَاعِراً
لَهُ فِي فُنُونِ القَولِ سَبْحٌ وَمَمْرَحُ
